ثلاثة وثلاثون كيلومتراً فقط: تلك هي المسافة التي تفصل، عند أضيق نقطة، بين ضفّتَي مضيق هرمز. مسافةٌ أقصر من رحلةٍ يومية بين البيت والعمل في أيّ مدينة كبرى مثل بكين أو طوكيو أو نيويورك او الرياض ….الخ ، ومع ذلك يقرّر هذا الشريط الضيّق من الماء كلّ صباح أسعار الوقود في طوكيو، وكلفة الأسمدة في حقول الهند، وفواتير التدفئة في بيوت أوروبا. ومنذ أواخر فبراير من هذا العام، توقّف هذا الممرّ عن أداء وظيفته على خلفية تصعيدٍ عسكريّ في المنطقة، فاكتشف العالم من جديد حقيقةً كان يعرفها ويتجاهلها: أنّ خُمس النفط الذي يستهلكه، وقرابة خُمس غازه المُسال، يمرّ كلّه من ثقبٍ واحد في خريطة الكوكب.
في علم الاقتصاد، نُحبّ أن نُعزّي أنفسنا بمفهوم “البجعة السوداء”: الحدث النادر الذي لا يمكن توقّعه، فيُعفينا وقوعُه من تبعة التقصير. لكنّ ما جرى في هرمز لم يكن بجعةً سوداء، بل نقيضها تماماً. لقد كان خطراً ضخماً رأيناه جميعاً يقترب على مهل، طوال خمسة عشر عاماً، ثم وقفنا في طريقه وكأنّنا لا نراه. فالفضيحة الحقيقية ليست أنّ المضيق أُغلق، بل أنّنا فوجئنا بإغلاقه. فقد لوّحت طهران بهذه الورقة مراراً منذ ديسمبر 2011، ثم مع الحظر الأوروبي في 2012، فبعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي في 2018، فحوادث الناقلات في 2019، حتى تحوّل التهديد المتكرّر بمرور الوقت من جرس إنذار إلى ضجيج اعتاد العالم ألّا يصغي إليه. وهنا يكمن جوهر ما أُسمّيه “مأزق إدارة المخاطر”. فالمشكلة ليست أنّ أحداً لم يَرَ الخطر، بل أنّ منطق إدارة المخاطر نفسه يصطدم بمنطق الربح قصير الأجل فيخسر المعركة في كلّ مرّة. تكلفة بناء المرونة حاضرةٌ ومؤكّدة وملموسة: خطوط أنابيب باهظة، ومخزونات تبدو كأنّها مالٌ مجمّد، وعقود توريد بديلة. أمّا عائد هذه المرونة فمؤجَّلٌ ومحتمَلٌ وغير مرئيّ. وحين تتواجه كلفةٌ مؤكّدة مع منفعةٍ احتمالية، يميل البشر ومعهم الحكومات والشركات إلى تأجيل الدفع. نُسمّي الاحتياطَ “هدراً” ما دامت الكارثة نائمة، ثمّ نكتشف ثمنه الحقيقي في اللحظة التي نعجز فيها عن شرائه بأيّ سعر. والمسؤولية هنا موزّعة على ثلاث جهات. أولاً دول الخليج المُصدِّرة، وهي أوّل الخاسرين من أيّ اضطراب في هرمز. صحيحٌ أنّها لم تقف عاجزةً تماماً – فالإمارات بنت خطّ الفجيرة عام 2012، والسعودية تملك خطّ بترولاين العابر نحو الغرب – لكنّ طاقة هذه البدائل مجتمعةً لا تقترب من حجم ما يعبر هرمز يومياً، بل إنّ المنفذ السعودي يصبّ في البحر الأحمر، أي في نقطة اختناقٍ أخرى مهدّدة بدورها. ومجرّد بناء هذه الخطوط اعترافٌ صريح بأنّ الخطر كان مرئياً؛ فالاكتفاء بنصف حلٍّ على مدى خمسة عشر عاماً ليس غفلة، بل قصورٌ بنيويّ في إدارة المخاطر. ثانياً المستهلكون الكبار، وفي مقدّمتهم اقتصادات شرق آسيا. تعرف اليابان والصين وكوريا الجنوبية منذ عقودٍ أنّ شريان طاقتها يمرّ في منطقة توتّرٍ دائم، ومع ذلك راهنت سياساتها على استمرار الهدوء بدل التحوّط لانقطاعه. مخزوناتها الاستراتيجية صُمّمت لسدّ فجوةٍ تُقاس بالأسابيع لا بالأشهر، ومع إغلاقٍ ممتدّ كالذي شهدناه، تتسارع وتيرة السحب منها إلى ضعف المُفترض. كان بوسعها أن تنوّع مصادرها وتوسّع احتياطياتها وتُسرّع تحوّلها في مزيج الطاقة، لكنّ منطق “الكفاءة بأقلّ كلفة” تغلّب على منطق “المتانة في مواجهة الصدمة”. ثالثاً، وهو الأكثر إثارةً للدهشة، شركات الشحن البحري وعمالقة سلاسل الإمداد. ففي يونيو 2025، وخلال الحرب الأولى بين إيران وإسرائيل عقب الضربات الأمريكية على المنشآت النووية الإيرانية، صوّت البرلمان الإيراني بالإجماع على إغلاق المضيق — لا تلويحاً عابراً، بل قراراً رسمياً أُحيل إلى المجلس الأعلى للأمن القومي. ومع ذلك، ما إن خفّت حدّة التوتّر حتى عادت كبرى الشركات إلى ممارساتها السابقة وكأنّ شيئاً لم يكن: المسارات نفسها، ونماذج «التسليم في اللحظة الأخيرة» نفسها، واكتُفي بتعديلٍ متواضع في أقساط التأمين. فحين أُغلق المضيق فعلاً بعد ثمانية أشهر فقط، لم تكن الفوضى التي تلت ذلك مفاجأة، بل ثمرة اختيارٍ مؤسّسيّ بتجاهل إنذارٍ صريح.
وما يجعل أزمة 2026 قاسيةً بشكل خاص أنّها لم تأتِ وحدها. فبينما توقّف هرمز في الشرق، كان البحر الأحمر يعاني بدوره من الاضطراب في الغرب، وللمرّة الأولى منذ زمن طويل يتعطّل أهمّ ممرّين بحريّين في الشرق الأوسط في وقتٍ واحد. ضاع بذلك الحلّ الذي طالما اعتمد عليه العالم، وهو تغيير مسار السفن. وهكذا انكشفت الحقيقة التي تجاهلها الجميع طويلاً: لقد صمّمنا سلاسل الإمداد لتكون أقصر طريق وأقلّ كلفة، فجاءت في المقابل الأكثر هشاشة. غياب الطرق البديلة لم يكن صدفة، بل قراراً اقتصادياً متعمّداً اتُّخذ على مدى سنوات بحجّة توفير المال. وخلف كلّ هذا، ينهار وهمٌ أعمق من النفط والغاز: وهم أنّ السوق العالمية تُصلِح نفسها بنفسها، وأنّ التجارة المعولمة محصّنةٌ ضدّ الصدمات. الحقيقة أنّ المناعة لا تأتي من السعي إلى أقصى كفاءة، بل تُبنى عن قصد وبثمن: عبر طاقةٍ إنتاجية إضافية للطوارئ، وتنويعٍ مُكلِف في المصادر، ومخزوناتٍ تبدو في الرخاء مالاً معطّلاً لكنّها في الأزمة تنقذ اقتصاداً بأكمله. لقد بنينا نظاماً عالمياً ممتازاً في تقليل التكاليف، ضعيفاً أمام أيّ صدمة؛ نظاماً يشبه شخصاً تخلّى عن جهاز المناعة لأنّه “مكلِف” ولم يحتج إليه منذ مدّة طويلة.
وأخيراً، طالما قيل إنّ السوق تكره الفراغ؛ ولعلّ الأدقّ أنّها تكره ما هو أسوأ: الاختناق. ومضيق هرمز، بكيلومتراته الثلاثة والثلاثين، شاهدٌ صامت على أنّ هذا الترابط العالميّ المُذهل ليس سوى بناءٍ شامخ يقف على دعامةٍ مائيّةٍ رقيقة. وفي زمنٍ تتوالى فيه الإنذارات، صار من السذاجة أن نلوم القَدَر؛ فأخطر ما يحدث في حياة الأمم ليس ما ينقضّ علينا فجأةً، بل ما يقترب أمام أعيننا ثمّ نختار، بمحض إرادتنا، ألّا نراه. والسؤال الذي ينبغي أن يشغلنا اليوم ليس “متى يُعاد فتح المضيق؟”، بل “هل آن لنا أن نفهم أنّ ثمن الاستعداد، مهما ارتفع، يظلّ أرخص ممّا ندفعه حين تتركنا الاستهانة عُراةً أمام الأزمة؟”.