تحليلات

اليمن: عن السلام المجتمعي والمصالحة والعدالة الانتقالية.

18 أيار 2026

يعيش اليمن اليوم مخاضاً عسيراً يضع نسيجه الاجتماعي في مواجهة تحديات غير مسبوقة، مما يجعل من توطين المصالحة والعدالة الانتقالية ضرورة حتمية لإرساء دعائم السلام المجتمعي. إن بناء السلام لا يمكن أن يقتصر على الاتفاقات السياسية الفوقية، إنما يجب أن ينبع من “القاعدة إلى القمة” عبر استحضار البنية الاجتماعية والقوانين العرفية اليمنية التي أثبتت فاعليتها في حل كثير من النزاعات المحلية في غياب الدولة. إن دمج هذه الأعراف، بعد مواءمتها مع مبادئ حقوق الإنسان، يساهم في جبر ضرر الضحايا وإعادة الثقة بين المكونات القبلية والاجتماعية، مما يؤسس لعدالة “هجينة” تضمن عدم تكرار الانتهاكات وتفتح آفاقاً حقيقية لقبول الآخر.

بهذا السياق تمثل العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية حجر الزاوية في أي خارطة طريق تهدف إلى تحقيق السلام المجتمعي والتعايش في اليمن؛ إذ لا يمكن بناء سلام مستدام دون معالجة إرث الصراعات وإنصاف الضحايا. وقد لعبت هذه الأعراف أدواراً حاسمة خلال سنوات الحرب في قضايا معقدة مثل فتح الطرقات، وإبرام صفقات تبادل الأسرى، والتهدئة المجتمعية، مما يبرهن على أنها شريك فاعل في إنفاذ العدالة.

ولتحقيق تعايش حقيقي ونبذ الكراهية، تبرز الحاجة إلى تطوير “عدالة هجينة”، بما يضمن عدم تكرار الانتهاكات ويحمي الفئات المهمشة. إن خارطة الطريق في هذا المسار تتطلب صياغة ميثاق شرف عرفي موحد يرتكز على قيم الإنصاف والاعتراف بالآخر، وتوثيق جلسات الصلح ضمن سجل وطني يسهل العودة إليه، وهو ما سيساهم في امتصاص التوترات وإعادة بناء الثقة المفقودة بين المكونات الاجتماعية. من خلال توطين آليات المصالحة واستلهام تجارب دولية ناجحة، يمكن تحويل العرف اليمني من أداة محلية بسيطة إلى دعامة وطنية صلبة تؤسس لثقافة قبول الاختلاف وتجرم خطاب الانتقام، ممهدةً الطريق نحو مستقبل يمن مستقر وآمن لجميع أبنائه.

أما عن التعليم فهو الأداة الأكثر حيوية في تحصين الهوية الوطنية اليمنية، كونه الرابط الروحي الذي يجمع الأفراد تحت راية الانتماء والولاء للوطن بعيداً عن الانقسامات الدينية أو المناطقية. إن بناء هوية وطنية قوية تستند إلى قيم المواطنة الحقيقية يتطلب مناهج تعليمية تتجاوز الانتماءات الضيقة، وتعمل كركيزة لنقل القيم الوطنية وتعميقها في عقول الأجيال القادمة، مما يحفز الطلاب على جعل الهوية الوطنية جزءاً لا يتجزأ من تكوينهم الشخصي.

ومع ذلك، يواجه هذا المسار تحديات جسيمة تهدد النسيج المجتمعي؛ حيث أن كثير من المناهج التعليمية اليمنية التي لم يتم تحديثها من مطلع الألفينات تحمل بين طياتها سياسات تعليمية عقائدية ممنهجة تهدف إلى الكراهية والتطرف ونبذ الوطنية في أغلب الأحيان وربط الإنسان بالدين بدلاً من الأرض. مضافاً إلى هذا فهناك الكثير من الأطفال خارج نظام التعليم، مما يهدد بنشوء “جيل بلا هوية” لا يدرك تاريخه الحضاري المشترك، مما يجعل من عملية تحديث المناهج ضرورة قصوى لغرس قيم الحرية، العدالة، المساواة، والتسامح، مع التركيز على اللغة العربية كوعاء ثقافي يجمع اليمنيين. لنبذ الكراهية، وبناء وعي جمعي يحترم التنوع ويؤسس لثقافة التعايش، من خلال تحويل المدارس إلى منصات لتعزيز التلاحم الاجتماعي بدلاً من الأدلجة، يمكن لليمن أن يستعيد هويته اليمنية الجامعة ويحصن أجياله ضد خطابات التطرف والكراهية.

كما يرتكز تحقيق السلام المجتمعي المستدام ونبذ الكراهية في اليمن على الاعتراف بالدور المحوري للمرأة والشباب كصناع حقيقيين للتغيير من القاعدة إلى القمة؛ فالسلام الحقيقي يتجذر في الممارسات اليومية “الخفية” التي تضطلع بها النساء في فض النزاعات الأسرية والمجتمعية، وتوسيع نطاق التماسك الاجتماعي داخل الأحياء والمساجد والمدارس

ومع ذلك، تواجه هذه الجهود النسوية تحديات جسيمة، حيث يُحصر دور المرأة غالباً في “الحياة الخاصة”، وتتعرض الناشطات للوصم الاجتماعي وحملات التشهير، فضلاً عن القيود المفروضة على حركتهن وتنقلهن بناءً على تفسيرات دينيه متطرفة. إن خارطة طريق السلام تتطلب الانتقال من تهميش المرأة إلى تمكينها في المنصات العامة والسياسية، مع ضرورة استخدام خطاب معتدل يواجه الآراء المتزمتة التي تُعيق مشاركتها الفاعلة في حماية الفضاء المدني. وبالرغم من افتقار النساء والشباب للتمويل والوضع المؤسسي الرسمي، إلا أن مبادراتهم أثبتت فاعلية فائقة في حل نزاعات محلية معقدة. إن تمكين الشباب اليمني، الذي يمثل الشريحة الأكبر من السكان، يتطلب تأسيس مبادرات توعوية تربط مفاهيم العدالة الانتقالية بالقيم القبلية النبيلة، وإشراكهم الفعلي في مجالس الصلح والتحكيم لضمان تجديد الخطاب العرفي بما يتماشى مع روح حقوق الإنسان. من خلال تحويل هؤلاء الفاعلين المحليين من “مستفيدين” إلى “ملاك لعملية السلام”، يمكن لليمن أن يقطع الطريق أمام خطابات الكراهية والتطرف، ويؤسس لبيئة تعايش وطنية تضمن الملكية المشتركة والاستدامة لكل اتفاقيات السلام القادمة.

Scroll to Top