تحليلات

أين تذهب بيانات اليمنيين؟

23 أيار 2025

منذ اندلاع النزاع المستمر في اليمن، الذي تصفه الأمم المتحدة واحد من أشد الأزمات الإنسانية تعقيدًا في العالم، أصبحت قاعدة بيانات دقيقة وموثوقة ضرورة حيوية لضمان وصول المساعدات إلى المستحقين بشكل فعال. في هذا السياق، برز استخدام التقنية البيومترية في عمليات التسجيل والتحقق من هوية المستفيدين من المساعدات، وهو ما وثّقته MidEast Policy Brief on Humanitarian Biometrics in Yemen.

البحث الذي أجراه مركز أبحاث السلام في أوسلو (Peace Research Institute Oslo PRIO)، في ملفه التحليلي Piloting Humanitarian Biometrics in Yemen: Aid Transparency versus Violation of Privacy، يرجّح أن المنظمات الإنسانية، وعلى رأسها برنامج الغذاء العالمي (WFP) التابع للأمم المتحدة، اعتمدت على نظم تسجيل بيومترية لتسجيل المستفيدين في اليمن استجابة لتعقيدات التحقق من الهوية في بيئة يحدث فيها تنقل واسع للسكان، وتفتقر إلى وثائق رسمية موثوقة لدى أعداد كثيرة. سلطت هذه الدراسة الضوء على توتر في استخدام البيانات البيومترية في اليمن: من جهة، يُنظر إلى البيومترية وسيلة لتعزيز شفافية وكفاءة توزيع المساعدات وتقليل التلاعب أو ازدواجية التسجيل، ومن جهة أخرى، تثير مخاوف حقيقية بشأن حماية الخصوصية وأمن البيانات الشخصية للفئات الأكثر ضعفًا في بيئة نزاع شديد التعقيد. إلى جانب ذلك، تحليل آخر صادر عن المعهد النرويجي للدراسات الإنسانية (Norwegian Centre for Humanitarian Studies)  يؤكد أن إدخال البيومترية في اليمن تفاعل مع ديناميكيات سياسية محلية. ففي المناطق التي تسيطر عليها سلطات الحوثي شمال اليمن، واجهت مبادرات تسجيل البيانات البيومترية مقاومة أو قيودًا، وهو ما يعكس أن البيانات قضية مرتبطة بصراعات السلطة.

وبحسب  PRIO Middle East Policy Brief الذي أصدر تقرير: Piloting Humanitarian Biometrics in Yemen فإن منظمة الأغذية العالمية (WFP) وغيرها من الجهات الإنسانية بدأت في تطبيق أنظمة البيومترية، مثل بصمة الإصبع أو التعرف على القزحية، بهدف تسجيل المستفيدين من المساعدات والتأكد من هويتهم قبل تسليم المساعدات الغذائية والنقدية، وذلك في إطار سعي تلك الجهات لزيادة شفافية وكفاءة التوزيع، وتقليل احتمالات التلاعب أو الازدواج في البيانات.

وعلى مدار السنوات الماضية، اتخذت الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا خطوات تنفيذية معلنة لإدخال وتوسيع نظام البطاقة الشخصية الذكية المزودة بشريحة إلكترونية وخصائص بيومترية ضمن إطار عمل مؤسسات الدولة.

بدأ هذا التحوّل في نهاية 2023 عندما دشّنت وزارة الداخلية اليمنية منظومة إصدار البطاقة الشخصية بالشريحة الذكية في عدن. جاء ذلك الإعلان الرسمي عبر بيانات الوزارة ونقلته مصادر إخبارية محلية معتبرة، مشيرة إلى أن المشروع يأتي متناغمًا مع توجهات الحكومة لبناء بنية تحتية معلوماتية حديثة في اليمن، تستهدف ربط المواطنين بسجل مدني موحَّد وتحسين نظم التحقق من الهوية. ثم اتخذت إجراءات تنفيذية وإدارية لإضفاء الإلزام على النظام الجديد. في منتصف 2024، أصدرت وزارة الداخلية توجيهات إلزامية تلزم جميع المؤسسات الحكومية والخاصة والبنوك باستخدام البطاقة الذكية في جميع المعاملات الرسمية والتجارية والخدمية، وإيقاف التعامل بالبطاقة القديمة تدريجيًا. وقد ورد هذا التعميم في بيانات الوزارة التي نقلتها وكالات إخبارية موثوقة، مؤكدين أن مخالفة التعليمات قد تصل إلى المساءلة القانونية بحق المؤسسات المخالفة.

وفي هذا السياق، يمكننا السؤال: أين تذهب بيانات اليمنيين؟ واليمن لا تمتلك حتى الآن قانونًا شاملاً لحماية البيانات الشخصية بما في ذلك البيانات البيومترية لا في الدستور ولا في تشريعات حديثة تُنظِّم جمع البيانات أو تخزينها أو مشاركتها.
بحسب تحليل قانوني مستقل لمركز حماية، لا توجد قانون حماية بيانات منظّم ونافذ في اليمن يماثل مثلًا (GDPR) الأوروبي أو غيره من أطر الحماية، كما أن القوانين الحالية تشتمل فقط على نصوص عامة عن سرية الوثائق وحق الوصول للمعلومات، دون تنظيم حماية البيانات الرقمية أو البيومترية. هذا الفراغ القانوني يعني عمليًا أن أي بيانات تُجمع عبر نظام الهوية الذكية لا تحظى حتى الآن بحماية تشريعية واضحة تُلزِم الجهات التي تديرها بالشفافية أو قواعد الاستخدام أو قيود الوصول. وحتى الآن لا يوجد إعلان رسمي واضح من وزارة الداخلية أو الجهة المعنية صراحة ما إذا كانت البيانات مركزيًا في خوادم داخلية أو خارجية، ومن يمكنه الوصول إليها. وبما أن اليمن يفتقر إلى البنية التحتية التقنية الحديثة اللازمة لإدارة وتخزين البيانات بشكل آمن داخل البلاد، بما في ذلك غياب مراكز بيانات متطورة وآمنة قادرة على ضمان حماية معلومات المواطنين. هذا يعزز احتمالية استخدام مزودين خارجيين أو بنى غير مستقرة في إدارة البيانات، سواء بشكل جزئي أو كلي، إذ لا تمتلك الدولة قدرة عالية على تشغيل نظام بيانات مركزي بنفسها في الظروف الحالية.

السبب الذي يجعل من هذه البيانات خطيرة هو أنها حساسة للغاية ولا يمكن تغييرها إذا ما تسربت، وتمثل خصائص فريدة لا يتغير شكلها بمرور الوقت (مثل بصمة الإصبع أو صورة الوجه)، مما يجعل تسريبها أو استغلالها مسألة ذات مخاطر كبيرة على الأفراد إذا لم تكن هناك حماية قوية أو إشراف قانوني واضح. وعجز الدولة يجعل من إدارة هذه البيانات خارج السيادة الوطنية مما يخلق نوعًا من “تهديد السيادة الرقمية”، حيث تكون بيانات اليمنيين الشخصية خارج السيطرة القانونية للدولة وحتى خارج سيطرة أصحابها أنفسهم.

في Piloting Humanitarian Biometrics in Yemen التي تشير إلى أن التعامل مع البيانات البيومترية في سياق نزاع معقد يشكل تحديًا كبيرًا، لأن هذه البيانات تكون شخصية وحساسة للغاية، وقد تُستخدم في حال إساءة إدارتها أو مشاركتها لأغراض لا تخدم المستفيدين. وهذا يعني أن أي جهة تدير هذه البيانات يجب أن تكون خاضعة لأطر حماية قوية، وهو ما تفتقر إليه غالبية الأطر التنظيمية في اليمن في الوقت الراهن. الورقة البحثية تصف أيضاً كيف يستخدم برنامج الأغذية العالمي (WFP) نظام التسجيل البيومتري، لمطابقة المستفيدين من المساعدات والتأكد من أنهم مستحقون لها، وهو جزء من محاولة لزيادة شفافية التوزيع وتقليل أنواع الاحتيال في توزيع المساعدات الكبرى في البلاد. وبحسب التحليل نفسه، هناك مخاوف واختلافات واضحة بين الجهات الفاعلة ولا سيما بين المنظمات الإنسانية الدولية من جهة، والسلطات المحلية مثل الحوثيين من جهة أخرى حول من يتحكم في البيانات البيومترية. هذا يشير إلى أن البيانات تُخزّن في سياق سياسي يمكن أن يغيّر المعنى القانوني والأمني لمصير تلك البيانات، وهو ما يستوجب فهمًا نقديًا لما يعنيه “التحكم في البيانات” في بيئة نزاع.

من خلال مراجعة ما هو منشور في المراكز البحثية الدولية، يتضح أن القفز إلى نظم هوية رقمية وبيومترية هو عملية معقدة بين الإنسانية، السياسة، والدولة. ففي الحالة اليمنية، حيث النزاع المستمر يعيد تشكيل بنى الدولة والسلطة، يصبح مصير البيانات موضوعًا يتحكم بالقضايا الأساسية للشرعية المؤسسية وحماية المواطنين. بمعنى آخر، مصير البيانات البيومترية في اليمن هو حقل للتفاعل بين الدولة، المجتمع، والفاعلين الدوليين، يتطلب سياسات واضحة، تشريعات مناسبة، وإشرافًا مستقلًا حتى تتحول الهوية الرقمية من أداة مراقبة أو نفوذ إلى وسيلة لتعزيز الحقوق والخدمات الأساسية للمواطنين.

Scroll to Top