تقارير

كيف باتت الحرب رقمية أيضاََ في اليمن؟

26 أيار 2025

الحرب في اليمن تحمل طابعًا معقدًا تشكل عبر تداخل طويل بين السياسة والقبيلة والانقسامات الاجتماعية والموروث الديني، ضمن دولة واجهت أزمات وتحديات مزمنة في بناء مؤسسات مستقرة وقادرة على فرض سلطة مركزية. هذا التعقيد فرض على الصراع اليمني طبيعة متعددة المستويات، حيث تحركت الولاءات المحلية والجهوية بالتوازي مع الحسابات السياسية والعسكرية، وبرزت القبيلة باعتبارها فاعلًا اجتماعيًا وسياسيًا مؤثرًا داخل المشهد العام.
ومع تصاعد الحرب، انتقلت الانقسامات من الميدان إلى المجال الرقمي، لتصبح المنصات الرقمية امتدادًا مباشرًا للتوتر القائم على الأرض. الخطاب السياسي الحاد، والاستقطاب الاجتماعي، والمحتوى التعبوي، كلها تحولت إلى أدوات تعيد إنتاج العنف والصراع، وتمنح أطراف الحرب قدرة على التأثير في الرأي العام وتوجيهه. كما ساهم ضعف المؤسسات العامة للدولة المعترف بها وتراجع البيئة الإعلامية المستقلة في توسيع أثر هذا التحول، حيث باتت وسائل التواصل مصدرًا رئيساََ للمعلومات والتعبئة في آن واحد.

حيث ساهمت طبيعة المنصات الرقمية القائمة على التفاعل اللحظي والخوارزميات المرتبطة بالانتشار في رفع حضور الخطاب الحاد والعنيف والمحتوى المثير والمؤيد للانقسام، الأمر الذي زاد من حالة الاستقطاب وأعاد تشكيل النقاش السياسي والاجتماعي في وسائل التواصل.
ومع اتساع الاعتماد على الإنترنت، أصبحت الهواتف المحمولة الوسيلة الأسرع للوصول إلى الأخبار والتحديثات اليومية، خصوصًا في المناطق التي تراجعت فيها فاعلية المؤسسات الإعلامية التقليدية. هذا التحول دفع قطاعات واسعة من المجتمع إلى متابعة التطورات السياسية والأمنية عبر التطبيقات والمنصات الرقمية بصورة مستمرة، ما منح الفضاء الإلكتروني حضورًا دائمًا داخل تفاصيل الحياة اليومية المرتبطة بالحرب.
فيما ارتبط المجال الرقمي في اليمن بقضايا السيطرة على البنية الاتصالية نفسها، حيث أصبحت خدمات الإنترنت والمنصات الإعلامية جزءًا من التنافس المرتبط بالنفوذ وإدارة الخطاب العام. تقارير تناولت الحرب اليمنية أشارت إلى أن السيطرة على البنية الرقمية ومزودي الخدمة ساهمت في تحويل أدوات الاتصال إلى عنصر متداخل مع المشهد السياسي والأمني الأوسع.

أنتجت الحرب بيئة رقمية هشة أمام الانتهاكات المرتبطة بالخصوصية والأمان الشخصي، حيث تصاعدت خلال السنوات الأخيرة حالات الابتزاز الإلكتروني المرتبطة بالحصول على الصور والمحادثات والبيانات الخاصة واستخدامها في التهديد والضغط الاجتماعي. تقارير محلية ودولية تناولت تصاعد هذه الممارسات داخل اليمن، خصوصًا مع ضعف الحماية القانونية وتراجع الوعي بالأمن الرقمي لدى قطاعات واسعة من المستخدمين.
كما ارتبطت المخاطر الرقمية بتسريب الحسابات الشخصية والاستيلاء عليها، إلى جانب تداول المحتوى الخاص خارج سياقه الأصلي، وهو ما خلق حالة مستمرة من القلق المرتبط باستخدام وسائل التواصل نفسها. هذا النوع من الانتهاكات اكتسب حساسية أكبر داخل مجتمع محافظ ترتبط فيه السمعة الشخصية والعلاقات الاجتماعية بصورة مباشرة بالحضور الرقمي للأفراد.
ومع زيادة استخدام المنصات الرقمية، تحولت حملات التشهير والتحريض إلى وسيلة ضغط اجتماعي تؤثر في العلاقات الشخصية وفرص العمل والحضور العام، بعدما أصبح تداول الاتهامات أو المقاطع أو الصور يحدث بسرعة واسعة. هذا الواقع خلق آثارًا نفسية مرتبطة بالخوف والعزلة وفقدان الشعور بالأمان داخل الفضاء الرقمي، خصوصًا لدى الفئات الأكثر عرضة للاستهداف والضغط المجتمعي وهنّ النساء.

أعادت المنصات الرقمية تشكيل طريقة تلقّي الحروب والأحداث اليومية، بعدما أصبح المستخدم يواجه تدفقًا متواصلًا من الصور والمقاطع والمنشورات القصيرة خلال لحظات متقاربة. هذا الإيقاع السريع غيّر طبيعة التفاعل مع الحدث، حيث تراجعت المسافة الزمنية بين وقوعه وتداوله والتعليق عليه بصورة واسعة.
فيما ساعدت سهولة النشر وإعادة المشاركة على تداول مواد غير دقيقة أو مجتزأة خلال فترات النزاع، بما في ذلك استخدام مقاطع قديمة أو محتوى مولد رقميًا خارج سياقه الأصلي. وتغطية الحروب عبر وسائل التواصل تمر بسرعة انتشار غالبًا ما تتجاوز قدرة المستخدمين على التحقق من صحة المحتوى قبل إعادة تداوله. وفي هذا السياق، تحولت متابعة الحروب داخل المنصات الرقمية إلى تدفق دائم للمحتوى والانفعالات وردود الفعل، الأمر الذي خلق بيئات رقمية مشحونة بالتوتر وسريعة التأثر بالمعلومات الخاطئة والمحتوى العاطفي المكثف.

مما سبق نستطيع القول: أن الحروب الطويلة تُخلف آثارًا تتجاوز الجبهات العسكرية والاتفاقات السياسية، خصوصًا حين يستمر التوتر داخل المجتمعات من خلال وسائل التواصل بصورة يومية ومتواصلة. المحتوى العدائي المتكرر، وحضور الكراهية والتحريض داخل المنصات، يساهمان في إبقاء مشاعر الغضب والعداء حاضرة داخل النقاش العام حتى خلال فترات التهدئة السياسية أو تراجع المواجهات الميدانية. هذا النوع من الخطاب يرتبط بإعادة إنتاج الظروف الاجتماعية والنفسية المرتبطة بالعنف والانقسام على المدى الطويل.
كما أبقت البيئة الرقمية النزاعات مفتوحة أمام موجات متجددة من التصعيد الرمزي والتعبئة العاطفية، حيث تسمح المنصات بإعادة تداول الأحداث القديمة والمقاطع المثيرة والخطابات الحادة بصورة مستمرة. هذا التدفق المتكرر للمحتوى يجعل الذاكرة المرتبطة بالحرب أكثر حضورًا، ويمنح الخلافات السياسية والاجتماعية تعبئة أكبر.
وفي كثير من الحالات، ترتبط فرص التهدئة بقدرة المجتمعات على تخفيف مستويات التوتر والخطاب العدائي داخل المجال العام، وهو ما يصبح أكثر تعقيدًا في البيئات الرقمية سريعة الانتشار والتفاعل.

في ظل هذا الوضع، تبدو الحاجة ملحة إلى التعامل مع الفضاء الرقمي بوصفه جزءًا من بيئة النزاع، وليس مجرد مساحة جانبية للتفاعل أو تبادل الأخبار. وتقليل أثر الخطاب العدائي يتطلب تطوير سياسات أكثر حساسية تجاه البيئات الهشة والنزاعات الممتدة، خصوصًا في ما يتعلق بالمحتوى المحرض والمعلومات المضللة وحملات الاستهداف المنظمة.
كما تبرز الحاجة إلى تطوير آليات أكثر فعالية وشفافية في إدارة المحتوى داخل المنصات الرقمية، خصوصًا في البيئات المرتبطة بالحروب والصراعات، وفي المقابل، يرتبط الحد من آثار الحرب الرقمية أيضًا برفع الوعي المجتمعي بالأمن الرقمي وأساليب التحقق من المعلومات، إلى جانب دعم المبادرات الإعلامية والمجتمعية القادرة على إنتاج محتوى أقل توترًا وأكثر مهنية. وبناء بيئة رقمية أكثر استقرارًا يتطلب مشاركة تتجاوز المنصات نفسها، وتشمل المؤسسات التعليمية والإعلامية والمجتمع المدني والمستخدمين.
وفي الحالة اليمنية، تبدو هذه التحديات أكثر تعقيدًا داخل بيئة تعاني أصلًا من هشاشة مؤسسية وإعلامية ممتدة. لذلك، يرتبط مستقبل التهدئة والسلام أيضًا بقدرة الفضاء الرقمي على التحول من مساحة لإعادة إنتاج التوتر إلى مساحة تقل فيها حملات التحريض والمعلومات المضللة والانتهاكات المرتبطة بالأمان الرقمي، بما يسمح بوجود نقاش عام أقل عدائية وأكثر قابلية لاحتواء الخلافات دون دفعها نحو مزيد من التصعيد.

Scroll to Top