مقالات

ذاكرة مدينة تتآكل: صنعاء والثقافة في زمن الغياب.

26 أيار 2025

شكلت صنعاء لعقود طويلة مركز الثقل الثقافي لليمن، وواحدة من أبرز الحواضر الفكرية في شبه الجزيرة العربية. لم يكن هذا الدور وليد مصادفة جغرافية أو رمزية دينية، بل نتاج تراكمي لحضور مؤسساتي فاعل في النشر والتعليم والمكتبات، ومبادرات فردية وجماعية أسهمت في تكوين مشهد ثقافي متماسك، رغم هشاشة البنى السياسية والاقتصادية المحيطة. غير أن السنوات الأخيرة وبفعل الحرب وتراكم الأزمات الاقتصادية والإدارية، أدت إلى حالة من الانهيار الثقافي المركب، بدأت بتآكل البنية التحتية للثقافة، وانتهت بعزلة شبه تامة فرضت على المدينة ومبدعيها.

من أبرز مظاهر هذه العزلة، التراجع الحاد لدور المكتبات. لم تعد مكتبات صنعاء مجرد مكان لبيع الكتب أو استعارتها، بل شكلت لعقود فضاءً للقاء القراء والمهتمين، ومنصة لتداول المعرفة وتوسيع الأفق العام. إلا أن إغلاق عدد كبير منها وعلى رأسها مكتبة “أبي ذر الغفاري”، التي كانت من أقدم وأغزر المكتبات تنوعًا، يشير إلى فقدان المدينة لجزء حيوي من رئتها الثقافية.

هذا التراجع لم يكن مرده تراجع الطلب فقط، بل جاء نتيجة خلل بنيوي طال العملية كلها، ارتفاع أسعار الكتب، صعوبة الاستيراد، الرقابة على المطبوعات، وتقلص القوة الشرائية لدى جمهور محدود الموارد أساسًا.

الإغلاق القسري للمكتبات لا يمثل فقدان مؤسسات مادية فحسب، بل انهيارًا لمنظومة التوزيع الثقافي نفسها. ومنذ توقف المعارض السنوية للكتاب منذ عام 2013، انقطعت إحدى القنوات الأساسية التي كانت تربط القارئ اليمني بالمشهد الثقافي العربي. توقفت العناوين الجديدة عن الوصول، وتضاءلت فرص التفاعل مع النتاج الأدبي والفكري المعاصر، وأصبحت المدينة معزولة عن دورة الكتاب.

تحولات النشر ومسارات النجاة المحدودة: في هذا السياق، لم تعد حركة النشر في اليمن تعاني فقط من صعوبة الوصول إلى دور نشر فاعلة، بل من غياب البيئة التي تستقبل وتحتفي بالإنتاج الجديد. فقلة من الكتاب يستطيعون نشر أعمالهم داخل اليمن، ومن يتمكن من الطباعة في الخارج يصطدم بعوائق التوزيع وندرة النسخ داخل بلده. ولجأ كثير من الكُتاب مضطرين إلى النشر الرقمي كبديل مؤقت، مستفيدين من منصات إلكترونية مجانية أو منخفضة التكلفة. وفي المقابل، غير القارئ اليمني من عاداته متجهًا نحو الكتب الإلكترونية، سواء عبر التطبيقات المجانية أو بصيغة PDF، وهو ما انعكس حتى على بعض المكتبات التجارية، التي أصبحت تعتمد على طباعة نسخ مصورة من الكتب الرقمية لتلبية الطلب. هذه الظاهرة تعبر من جهة عن تعطش القارئ واستعداده للتأقلم مع الواقع، لكنها من جهة أخرى تكشف هشاشة البيئة القانونية والثقافية التي تدير علاقة الناس بالمعرفة، حيث تُطبع الكتب دون اتفاق مع أصحابها، وتُتداول بشكل غير رسمي، ما يعكس أزمة عميقة في البنية التحتية للثقافة والنشر.

كل ذلك يجري في ظل غياب الدعم المؤسسي، وانقطاع الصلة بدور النشر، وتراجع الحضور الإعلامي للكتاب اليمني. وإذا كانت هناك محاولات فردية مثل “صالون نون الثقافي” تحاول أن تخلق مساحة للحوار واللقاء، فإنها تظل محدودة الأثر، وتواجه صعوبة في الاستمرارية والتوسع. ولجأ كثير من الكُتاب مضطرين إلى النشر الرقمي كبديل مؤقت، مستفيدين من منصات إلكترونية مجانية أو منخفضة التكلفة.

اليوم، يعيش الكُتاب والفنانون والقُراء في صنعاء غربتهم داخل مدينتهم. لا مسرح، لا دور عرض، لا مهرجانات، ولا حضور للكتاب في الحياة العامة. وهذا يعني أن الجيل الجديد في صنعاء يعيش في بيئة شبه معطلة ثقافيًا، حيث لا يستطيع أن يكون قارئًا منتظمًا، أو متابعًا للإنتاج العربي والعالمي، أو حتى جزءًا من النقاش العام حول الأفكار والتحولات.

ما يتبقى هو جهود فردية مبعثرة، تعاند الفراغ وتحاول أن تُبقي على شيء من الذاكرة الثقافية لهذه المدينة التي نالت قبل عشرين عامًا لقب “عاصمة الثقافة العربية”، بينما تعيش اليوم واقعًا لا يمتّ إلى ذلك اللقب بصلة. وإذا استمر هذا الانقطاع، فإن سؤال المستقبل الثقافي في صنعاء سيظل معلقًا في فراغ لا يجيب عليه أحد.

فهل تستطيع صنعاء إيجاد السبيل لاستعادة إرثها الثقافي وإعادة بناء جسور التواصل بين الكاتب وجمهوره ؟


اللوحة للفنان: سعد الشهابي، محرر المحتوى المرئي.

Scroll to Top