مقالات

مرآة تكسر الروح: من الشاشة إلى المنفى.

1 كانون الأول 2026

لم أكن أبحث عن ظلٍّ حين وجدتها، هناك، واقفة عند طرف ساحة صغيرة بالقرب من السائلة. شجرة باسقة، تتشابك فروعها كأصابع امرأة تعرف أسرار العناق. لم تكن من تلك الأشجار التي تراها فتُعجبك أوراقها ثم تمضي؛ كان فيها ما يجعل المرء يطيل النظر، وكأن كل ورقة تحرس جملة لم تُكتب بعد.

جلست عند جذعها، والريح تمرّ من بين أغصانها كما لو تقرأ على مسامعها نشيدًا لا نسمعه نحن. شعرت أنني أمام ذاكرة أكبر من عمري، ذاكرة نبتت من بذرة كلمة قيلت مذ زمن بعيد، كلمة ظلّت تتناسل في الأرض، جذرًا بعد جذر، حتى وصلت إليّ.

جذورها تنغرس عميقًا في تربة لا أعرف حدودها، لكنها لم تكن تربة وحسب؛ إنها امتداد خفي، مثل شبكة من العروق التي تتبادل الرسائل بين شجرات لا تراها. تخيلت تلك الرسائل، على شكل نبضات صغيرة، كأن الأرض نفسها تتنفس بالكلمات.

لم أستطع منع نفسي من التفكير: كم كلمة فاسدة يمكن أن تتسرب عبر هذه الجذور لتصل إلى شجرة لم ترتكب ذنبًا؟ كم ثمرة يمكن أن تفسد لأن ماءها جاء من جدول مسموم؟

الريح التي مرّت الآن لم تكن نظيفة، حملت معها شيئًا من رائحة الرماد، فارتجفت أوراق الشجرة. أدركت أن الخطر لا يأتي دائمًا من الفؤوس التي تقطع الجذوع فقط، إنما يأتي من الهواء الذي يتنفسه الجميع، من الغيم الملوث الذي يسقي المطر المرّ.

ولأنني لم أكن غريبًا، عرفت أن هذه الشجرة لم تنبت في هذه الساحة وحدها. هناك أشجار أخرى، في أماكن بعيدة، تتصل بها بطريقة لا نراها. إذا أصاب أحد الجذور سُمّ، فسيمتد الألم مثل ظل الليل فوق صنعاء كلها.

لم تكن المسألة إذن مسألة حياة شجرة أو موتها، بل مسألة مصير للحياة. وعرفت أن كل كلمة تُقال أو تُكتب، كل نبض يمر عبر هذه الجذور، ليس شأنًا خاصًا بصاحبها.

جلست طويلاً تحت الظل، شعرت أن الشجرة كانت تنتظر أن يسمعها أحد. ربما كانت تحاول أن تهمس: “لا تزرع شوكًا في أرض تريد أن تمشي عليها حافيًا.” أو ربما: “لا تصب السمّ في الجدول الذي ستشرب منه.”

حين قمت لأرحل، كانت الشمس تميل نحو المغيب، وأوراق الشجرة تلمع بلون ذهبيّ حزين. لمست الجذع برفق، وأدركت أنني حين أتكلم من الآن فصاعدًا، سيكون عليّ أن أتذكر هذه الشجرة، وأن أتخيّل جذورها تمتد إلى أماكن لن أصلها أبدًا.

فالذي يزرع الكلمة، يزرع معها عالمًا، والعالم الذي يولد من كلمة نظيفة يمكن أن يمنح ظلًّا لأجيال لم تولد بعد. أما الكلمة المسمومة، فستسري في التربة، وتبقى هناك، حتى تثمر جروحًا في صدور لم تعرف من زرعها.

***

أقف وسط فراغ يلمع كمرآة ساكنة. كل صوت يخرج مني ينعكس، كظل يتشكل ثم يبتعد. بعض الظلال يختفي في العمق بلا أثر، وبعضها يعود مسرعًا، كأنه وجدني بعد أن تهت عنه.

أمد يدي نحو أحد هذه الظلال، فأشعر ببرودته، برودة ليست من الهواء، إنما من شيء أعمق، شيء يشبه العدم حين يتخذ شكلًا. أدرك أن هذا الظل يأتي من آخرين، وحمل معه أثر أيديهم وعقولهم، وربما ندوبهم.

هناك ظلال أخرى تحمل دفئًا غريبًا، دفء يشبه أن يضع شخص ما يده على كتفك حين تحتاجها. هذه الظلال حين تلامسني، تترك فيّ ارتجافة حية، وكأنني أستنشق من رئة بعيدة.

لكن الفراغ لا يمتلئ بالدفء وحده. أرى ظلالًا أثقل من الرصاص، تجرّ وراءها ذيولًا من شوائب وسموم، تحاول أن تلتصق، أن تتسرب إلى مسامي، أن تترك في أعماقي صدىً يغيّر نبرة أصواتي القادمة.

أفهم الآن أن ما يخرج في هذا الفضاء يعود في صور أخرى، أحيانًا أجمل مما أرسلناه، وأحيانًا أبشع مما كنا نظن أننا قادرون على احتماله. وكل ظل يعود، سواء جئنا به أو أطلقه غيرنا، يصبح جزءًا من صورتنا، حتى لو لم نعترف به.

***

أعبر جسرًا حجريًا عتيقًا يمتد فوق سائلة صنعاء. صخور صلبة رصّها الأجداد بيدين تعرفان معنى أن يبقى الطريق مفتوحًا مهما تبدلت الأزمنة. الحجارة مشبعة برائحة المطر، وملساء من كثرة الأقدام التي مرت عليها، تحمل البهجة أحيانًا، وأحيانًا الغضب.

تحت الجسر، تجري السائلة في موسمها، وتحمل في تيارها ماءً عكرًا أو صافيًا، كأنها مرآة للألسن التي نتبادل بها الحديث: مرة نقية، ومرة مثقلة بالوحل. حتى حين تجف، تبقى شاهدة على العبور، شاهدة على الغياب.

الجسر لا يعرف أسماء العابرين، لكنه يحتفظ بذاكرة صامتة: طفل يركض خلف كرة، امرأة تعبر بخطوات حذرة، رجل يتوقف في منتصف الطريق كأنه يبحث عن شيء ضاع منه. هنا التقت عيون، وتجنبت أخرى، وتبادل البعض ابتسامة، بينما مر آخرون وكأن العالم أضيق من أن يجمعهم.

الوقوف في منتصف الجسر يشبه الوقوف في قلب حوار لم يكتمل، حيث الجانبان يوجدان، لكن المسافة بينهما تقاس بالنية لا بالخطوات. من يختار أن يعبر، يمد خيطًا خفيًا من الثقة، ومن يتوقف أو يعود، يترك في الهواء فراغًا يزداد برودة.

أدرك أن الجسر الحجري، مثل الحكمة، لا ينهار إلا حين يتوقف الناس عن حمايته. وأن سائلة صنعاء، بما تحمله أو بما تخفيه، ليست سوى صورة للمجرى الخفي الذي تسري فيه كلماتنا بين الضفتين. فالطريق الذي يربطنا قد يكون من صخر، لكن ما يحافظ عليه حيًا هو النية التي نعبر بها.

***

أدخل فناء البيت، يغلق الباب خلفي بصرير يشبه انتهاء فصل في كتاب. هنا الجدران تعرف أسراري أكثر من أي شخص.

أمشي نحو الغرفة التي تنتظرني منذ الصباح. على الطاولة، تستقر مرآة صافية لا يعلوها غبار، كأنها كانت تتأملني قبل أن أصل. أجلس أمامها، وأفهم أن أقسى عبور في وطني هو المسافة بيني وبيني.

أقف أمام مرآة لا تشوبها شائبة، صمتها أعمق من كل الأصوات التي تحيط بي. لا تُجامل، ولا تبتكر أعذارًا. هي تضعني أمامي، كما أنا، بلا أقنعة ولا ظلال. في البدء أظن أنني أبحث عن ملامحي، لكنني أكتشف أنني أبحث عن أثر وجودي في عيون الآخرين.

المرآة تعكس النوايا. تكشف كم مرة اخترت الكلمة التي تشبه الجرح، وكم مرة أغلقت فمي عن جملة ربما كانت شفاءً. في انعكاسها، أرى تلك اللحظات التي مرّت في صمت لكنها تركت صدى أطول من أي ضجيج.

أحيانًا، أرى في العمق وجهًا ليس وجهي تمامًا؛ مزيج من صور التقطها الناس عني عبر ما قلت، وما كتبت، وما صمت عنه. كل انعكاس هو نتيجة قرار، وكل قرار يبني صورة لن تفارقني، حتى لو أردت.

المخيف في المرآة استحالة خداعها. يمكنك أن تبتسم أمامها، لكنها تعرف إن كان القلب يبتسم حقًا. يمكنك أن تخفض نظرك، لكنها ترى تلك الفكرة التي أردت إخفاءها. كل محاولة لتزيين الكادر لا تغير من حقيقة المشهد شيئًا.

حين أطيل النظر، أدرك أن المرآة عقدًا صامتًا بيني وبين ذاتي: أن أكون حاضرًا في كل كلمة أقولها كما لو أنني سأراها لاحقًا هنا. أن أترك خلفي أثرًا يمكن أن ألتقي به دون أن أشيح بصري. أن أعيش في عالم لا يطلب الكمال، لكنه يطلب الصدق.

وأفهم أن الصفاء في أن أملك الشجاعة لرؤية الخطأ حين يقع، والقدرة على الاعتذار حتى لو كان الصدى قد تلاشى.

***

أقرأ منشورًا عابرًا في صفحة مزدحمة، غير أن عيني تتشبثان به كما لو أن الكلمات تحفر في اللحم الحي. جريمة إلكترونية. الضحية اسم، صورة صغيرة في زاوية، وحكاية مجتزأة لا تمنحك إلا طعم المرارة. أشعر بثقلٍ غامض، وكأن هذه الحروف السوداء تسحب الهواء من الغرفة. أرى كيف يمكن لكلمة، لصورة، لتعليق، أن تترك شقوقًا في روح إنسان، لا يراها أحد، ولا يلتفت إليها أحد.

أغلق الهاتف. أتركه على الطاولة مثل حجر ساخن. أتنفس ببطء، ثم أتحرك نحو النافذة، كأنني أبحث عن شيء قادر على غسل ما علق بي للتو.

السماء فوق صنعاء، في هذه اللحظة، أشبه بصفحة لا نهاية لها. تتقاطع أسلاك الكهرباء مع ما تبقى من نور باهت، الهواء يحمل خليطًا من الغبار ونسمة باردة تتسلل من الجبال البعيدة. الأفق لا يطلب منك شيئًا، فقط يفتح لك مسافة كافية كي تتنفس.

أفكر أن الفضاء الرقمي يمكن أن يشبه هذا المشهد، إذا أردنا له ذلك: ساحة رحبة لا تخنق أحدًا، سماء آمنة لكل من يعبرها، وامتداد يسمح للأصوات أن تلتقي دون أن تتحول إلى سهام. السلام فعل مستمر يشبه الحراسة الدائمة للسماء كي تبقى صافية، مهما حاول الغبار أن يستوطنها.

***

الكلمة حين تخرج من أصابعنا لا تعود كما كانت؛ تلتقط في طريقها ملامحنا، رائحتنا، وحتى ارتجافة القلب التي كتبتها. هناك نصوص تعود إلينا بعد أعوام، لا تحمل إلا الدفء الذي منحناه، وأخرى تعود كحجر أصم يطرق أبوابنا في منتصف الليل. من يكتب يعرف أن الحبر لا يجفّ أبدًا، وأن الظل الذي نتركه على جدار الآخرين قد يرافقهم أكثر مما يرافقنا.

والنافذة التي نفتحها نحو العالم ليست زجاجًا فحسب، هي عيوننا وضمائرنا ممتدة في فضاء لا سقف له. كل ما نعبره فيها، من صور وهمسات وحروف، يصوغ ملامحنا في أذهان من لم نلتقِهم أبدًا. هناك من يعبر هذا الفضاء بخفة جناح، وهناك من يثقل الجو بالغبار. المسألة ليست في العبور ذاته، إنما في الأثر الذي يظل معلقًا بعد الرحيل.

في النهاية، أكتشف أن كل ما مررت به في هذه الصفحات لم يكن سوى رحلة بين رموز، كل واحد منها يفتح بابًا نحو الآخر. من شجرة الكلمة التي تعلّمتُ كيف تمد جذورها في الصدق، إلى الجسر الذي حملني بين ضفتين متباعدتين، فالمرآة التي وضعتني أمام صورتي كما هي، وصولًا إلى هذا الفضاء الذي يطل من نافذة صنعاء، ويشبه وعدًا مفتوحًا لكل من يعبره.

السلام، في جوهره، ممارسة يومية، حركة دائمة تشبه تنفس الأرض، ووعيًا يرافق خطواتنا في الشارع وفي الفضاء الرقمي على السواء. قد نحيا وسط ضجيجٍ لا يرحم، ونرى حروفًا تتحول إلى أسلحة، غير أن في داخل كل واحد منا قدرة على أن يزرع جملة طيبة، أن يمد جسراً، أن يعكس صورة نظيفة، وأن يترك السماء صافية قدر المستطاع.

ربما لن نمنع كل الغبار، لكننا نستطيع أن نصون الهواء الذي نتشاركه. هذه هي مسؤوليتنا، وهذا هو سلامنا.

بشـــار العقــــاب، رئيس التحرير

Scroll to Top