الولِيد الذي يحمل إثم قتل ليس له يد فيه، وإن كان هو أحد عوامله. المتمرد المتفرد المجدد أدبياً. الأب الروحي للمشهد الثقافي في اليمن. ابن الواقع لا ابن التاريخ. الثائر للمرأة في رواياته.
ذلك جزء من الغربي عمران، وقبل الغوص أكثر في الأدب، نعرج لبعض مراحل حياته، سنصيغها كقصة قصيرة جميلة… انصتوا.
في صنعاء، تلك المدينة التي حينما تصحو صباحاً يُخلق عالماً كأنما جاء للعالم لأول مرة، الأصوات التي تغرد بها النساء قبل العصافير، الرجال الذين يتأهبون لعملهم بـ ” يالله رضاك “، ثم لقمة دافئة تشد أزرهم، نسائم البرعي مع الزلابيا، أصوات الأسواق، رائحة المطاعم الصغيرة، جلابيب النساء السوداء والحمراء، أيادي الأطفال المتشبثون بوالديهم خوفاً من الزحام، في ظل هذه الأجواء يُولد عشاق هذه المدينة.
في عام 1958، حيث كانت المباني قليلة ومبنية الطين والجص، والمدراس تتناثر كشامة في خد حسناء، والمرافق الصحية تعد لشحتها، وُلد ذلك الطفل في حي… وأُسمي (محمد).
أخذ من صنعاء روحها الجميلة، التي تستوعب الجميع، صدرها الحاني الذي لا يرد أحداً، وشيء من ملامحها التي توزعها على محبيها.
بدأ يخط حروفه الأولى في دولةٍ أخرى (السودان) لكنه لم يلبث أكثر من عامين، ليعود لليمن لينحت في صخورها اسمه الذي سيخلد أدبياً فيما بعد، أنهى جزء من دراسته فيها، ثم انتقل لقطرٍ آخر (السعودية) تعلّم وعمل فيها، ثم ما لبث أن عاد لينهي دراسته الأكاديمية في مجال التاريخ في صنعاء مجدداً، انتقل إلى مصر في عديد من مراحل حياته، و كيف لأم الدنيا أن لا تكون أماً للغربي، أتم (محمد) دراسة التاريخ، والذي أحبه حتى بلغ حبه له بأن كتب تاريخياً جديداً من مخيلته مزج فيه بين الواقعين، (الواقع الذي كُتب، والواقع ربما كان ولم يُكتب) وفتح باباً واسعاً له أدبياً، بل رتج لقصرٍ مهيب، نُسج من خياله كما يتوقع مستنداً إلى خيوطٍ رقيقة من بقايا ذلك التأريخ.
وعن حياةٍ أخرى في حيواته، وهي حياته المهنية فقد انتخب رئيسًا للمجلس المحلي في مديريته عنس محافظة ذمار، ثم عضو في مجلس النواب. عين مستشارا لأمين العاصمة في عام 2010، وعين وكيلًا لأمانة العاصمة في عام 2015، ويبدو أن عمله وأدبه كأنما ساكنين في لغة عربية، لم يلتقيا، وقد أُزيح أحدهم بتفوق الآخر.
الغربي والأدب:
أصبح ذلك الطفل رجلاً يكتب، بعد أن تشرب الكثير من الكتب وكبر عليها، والكتب هي العالم الآخر الذي أنجب (الغربي) بهيئةٍ أخرى. فجعل له بصمة لا تُمحى في كتاباته، بل ورواياته أنجح الروايات التاريخية اليمنية. بداية الغربي كانت بالقصص القصيرة حيث وله عدة مجاميع قصصية قصيرة:
- الشراشف” (قصة)، دمشق: اتحاد الأدباء العرب، 1997.
- الظل العاري” (قصة)، صنعاء: الهيئة العامة للكتاب، 1998.
- حريم أعزكم الله” (قصة)، القاهرة: مركز الحضارة العربية، 2001.
- ختان بلقيس” (قصة)، صنعاء: نادي القصة، 2002.
- منارة سوداء” (قصة)، صنعاء: اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، 2004.
الولادة الأدبية للغربي:
الخطوط الحمراء بدأت بمصحف أحمر، ولم تنتهي…
إن اعتماد المؤلف على الخيال هو الصانع لكتاباته، تلك هي الأداة التي استخدمها الغربي في نسخ رواياته “الخيااال” وأي خيال؟ خيالٌ تاريخي، فالغربي يؤمن بأنّ الروائي لا يبحث عن حقيقة ليكتب رواية، بل يتوق إلى الصدق الفني، بينما يبحث المؤرخ عن حقيقة إن كان متجرداً من الأهواء والانتماءات، والغربي يصدح دائماً برأيه، بأنّه لا يكتب الرواية التاريخية التي يتقيد فيها الكاتب بصحيح الحوادث التي دوّنها كَتَبة المنتصر، بل يبحث بين السطور وخلف الوقائع، ويبتكر شخصيات فلاحية وعسكرية تحكي مصائرها، ولا يجعل من السلطوي شخصية محورية، فالتاريخ عنده أداة للتحليق بالخيال والإتيان بشخصيات وحوادث لم تكن إلا في الرواية. وهذا ما جسده في مصحف أحمر وما تلاه.
المصحف الأحمر عن قرب:
أصدرت رواية “مصحف أحمر” عام 2010، وما ميّز هذه الرواية وجعلها تخلق (محمد الأديب) هو تشبعها بالثالوث المحرم والمرغوب والمثير في آنٍ واحد.
ما تصدح به الرواية عبر تغليفات السرد والرمزية والخيال هو شيء واحد وهو الدعوة للتسامح وأن الدين واحد لأنّ الله واحد، وتلك الكتب السماوية المنزلة هي دعوة لهذا الشيء، فلماذا الصراع؟
ومن المنظور السياسي للرواية، فقد جاءت الرمزية لتحتضن الشخص وبعض الأحداث، بينما كُتب التاريخ بأرقامه الحقيقية للدلالة على وجود أثر حقيقي أنتج هذا الحدث الأدبي المتمرد، وكما بدأ الغربي هنا بإظهار المرأة بلباس القوة والمؤثر الفعلي في المجتمع، فقد أكمل مسيرته الروائية بنفس القوة للمرأة كسلسلة مترابطة لرباطً متين.
شخصيات الرواية: (تبعة، شخنما، العطوي، سمبرية…)، هذا يجعلنا نتجه صوب أسماء أبطال الغربي، ومن أين يستوحي تلك الأسماء حيث يقول: ” أنا أشقى في اختيار أسماء شخصياتي بما يناسب العصر وتكوين الشخصية، ولذلك يجد القارئ أن أسماء الشخصيات في روايتي غريبة، لكنه سريعا ما يتقبلها ويألفها مع إبحاره في عوالم الرواية. ومعظم من قرأ روايتي يذهب للبحث عن معني ومدلولات الأسماء تلك وقد يجد ما لم أقصده، وإن أضافت للقارئ أبعاد أخرى.” نهاية الرواية فُتحت لولوج عوالم غربية أدبية أخرى.