مقالات

“اِجرِ أمرَ الله يا وشّاح”: أسلمة السيف عند أحمد بن يحيى حميد الدين…

10 شباط 2026

أُطيح بأبيه عن طريق الثورة الدستورية عام 1948، وكان حينها يستنجد بقبائل طوق صنعاء حيث توجد الأغلبية الزيدية، لأن الشافعية في المناطق الوسطى كانت مشكوكًا في ولائها.

اللوحة للفنان: سعد الشهابي، محرر المحتوى المرئي.

ابتدأ أحمد بن يحيى حميد الدين مسيرته السياسية عندما كان يتلقى الدروس الدينية مع أشقائه، حيث أرغمهم على مبايعته على ولاية عهد أبيه الإمام، بالطريقة الإسلامية، بعد جرح أحدهم. وعندما أصبح وليًا للعهد، عاصر العديد من التمردات على أبيه، كالثورة التهامية التي طلب بسببها من أمير تعز أن يحشد أتباعه للجهاد في سبيل الله والدفاع عن مملكته، قائلًا:

“يا عباد الله، قوموا للجهاد واضربوا من كان مفسدًا للبلاد، وانصروا ابن الإمام”

حتى دخل تهامة، وتحديدًا بيت الفقيه، واستخدم ضد أبناء القبيلة الشائعات والتهم، من ضمنها اتهامهم بالابتعاد عن الإسلام (“الزرانيق”). وخلال المعركة أحرق النخيل، واقتاد الخصوم إلى سجن قلعة القاهرة في تعز، وقد بلغ عددهم سبعمائةَ أسيرٍ. عذّبهم في القلعة ثم حاكمهم وأعدمهم، حسب ما ورد عن المؤرخ اليمني القاضي الأكوع.

أُطيح بأبيه عن طريق الثورة الدستورية عام 1948، وكان حينها في تعز. ثم هرب منها يستنجد بقبائل طوق صنعاء حيث توجد الأغلبية الزيدية، لأن الشافعية في المناطق الوسطى كانت مشكوكًا في ولائها.

وحين تمكّن من استعادة الحكم، أعدم ما يقارب خمسين شخصًا ثأرًا لأبيه دون أحكام شرعية، لكنه بعد ثلاثةِ أشهرٍ استصدر من رئيس الاستئناف الأعلى ومفتي الدولة حكمًا “إسلاميًا”. أما بقية المساجين فقد بعثوا له رسائل كثيرة يترجون فيها الإفراج عنهم من تعز وصنعاء وغيرها من المحافظات، لكنه كان يرد عليهم قائلًا:

“عافاكم الله، لا بد من استمرار حبسكم حتى يتميز الخبيث من الطيب.”

لم يكن أحمد حميد الدين سوى جزء من مجتمع يرى الإسلام المرجعية الأساسية؛ فمثلًا عندما فرّ السيف إبراهيم، ابن يحيى حميد الدين، رأى الأحرار أنها أول ثغرة في النظام الملكي ولقبوه بـ”سيف الحق”، وتصدّرت آية النبي إبراهيم في نصحه لأبيه:

“يا أبتِ إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطًا مستقيمًا.”

وفي مسألة مقتل يحيى حميد الدين، رأى رجال الدين — حسب البردوني — أن نصر أحمد حتمي، مستشهدين بالآية:

“ومن قُتل مظلومًا فقد جعلنا لوليه سلطانًا فلا يُسرف في القتل إنه كان منصورًا.”

وبعدها بدأت فترة حكمه التي استمرت خمسة عشر عامًا، وخلالها وصف نفسه بأمير المؤمنين، والحاكم بأمر الله، والناصر لدين الله، ولقّب كل ابنٍ له بـ”سيف الإسلام”. في فترة حكمه، حضر الدين الإسلامي كأول مرجع استثمره في خلافاته السياسية والتخلص من الخصوم، متكئًا في أحقية إمامته وأحكامه على تاريخ من الجدل الديني-السياسي كان أكبر اهتماماتها السلطة.

فــ الهادي، مؤسس الزيدية في اليمن، ومن بعده من أئمة الزيدية، والإمام لقب أطلقوه على أنفسهم — حسب المؤرخ اليمني القاضي علي الأكوع — اهتموا بفكرة الإمامة وحصرها في الحسن والحسين، حتى جعلوها أصلًا من أصول الدين الخمسة المتضمنة لعقائدهم، وهي الأصول المعروفة عند المعتزلة، إلا أن الزيدية استبدلوا “المنزلة بين المنزلتين” بالإمامة.

وفي مقدمته للكتاب الذي ترجمه بعنوان: “عندما كنتُ طبيبةً في اليمن” لكلودي فايان، يقول الدبلوماسي اليمني محسن العيني، الذي عاصر فترة الثورة:

حين عاد أحمد حميد الدين من رحلته العلاجية من روما، والجماهير في استقباله، وقف بينها شاهرًا سيفه، وراح يتوعد الشعب مرددًا عبارته المشهورة:

“أنا أحمد يا جناه.. من يفكر في معارضتي والتمرد علي، والله لأقطعن الأيدي والأرجل من خلاف، ولأقتلن كل من تحدثه نفسه بالخروج علي، ومن لم يقتنع فليجرب، وهذا الفرس وهذا الميدان.”

ويضيف: “وفعلًا بدأ بتنفيذ أفكاره السوداء، حيث أخرج شابًا وأمر بقطع يديه ورجله، وفعلاً تم قطع يديه…”

عايش في فترة حكمه قلق الانقلابات والتآمرات عليه، تلك التي أدت إلى قيام حركة 1955 بقيادة المقدم أحمد الثلايا مع بعض الضباط في الجيش، حيث استغل هؤلاء الضباط الخلافات العائلية بين الإمام أحمد وأخيه عبد الله، وتواصلوا معه واستمالوه إلى صفوف الثوار. وحاصر الجيش قصر الإمام في تعز، وتم إجباره على التنازل لأخيه عبد الله، إلا أن الإمام أحمد استطاع خداع الثوار والضباط، وقام بشراء العديد منهم، فتم إجهاض الثورة واستعادة الحكم بعد ثلاثة أيام.

وفي تسجيل نادر له عقب الأحداث، وجّه خطابًا حمّل فيه مسؤولية ما سيحصل من ردع لمن سماهم محبي الفتن، قائلًا:

“قد أشار العلماء وذوو الفضل والعُقّال والمشايخ، وحمّلونا حُجّةَ الله، إذا تساهلنا في أمرهم ولم نُعين من ينثالون إليه في المهمات.”

وقام بإعدام أخيه والعديد من الضباط وقيادة الحركة الوطنية، أبرزهم المقدم الثلايا، حيث أحضره إلى ساحة الإعدام وخاطبه بأنه درّسه وأعطاه كل شيء، فلماذا خانه وأنكر الجميل؟ فردّ عليه الثلايا:

“نعم، فعلتَ لي كل هذا، ولكن ماذا فعلتَ للشعب؟”

وبعد أن استفتى حاشيته وطالبوه بإعدامه، أمر سيافه الذي يُسمى الوشّاح قائلًا: “اِجرِ أمرَ الله يا وشّاح.”

وقبل ثورة 62 التي أطاحت به، في السادس من مارس، جرت محاولة اغتياله في مدينة الحديدة من قبل بعض الضباط، إذ حاولوا إطلاق النار عليه مما أدى إلى إصابته إصابات غير قاتلة، إلا أن المحاولة فشلت، وتم القبض على الضباط الثلاثة ومحاكمتهم وفقًا للجنة شكّلها الإمام، ليُعدموا بالسيف، وهي طريقته المعروفة للتخلص من أعدائه.

Scroll to Top