تتعرض الكثير من النساء في اليمن للابتزاز والمضايقة عبر الإنترنت، من ضمن ذلك نشر صورهن أو معلومات حساسة خاصة بهن دون موافقتهن، ما يشكل انتهاكًا لحقهن في الخصوصية. تعرضت النساء في معظم الحالات للاستهداف من جانب أشخاص يعرفنهم، سواءً كانوا من الأصدقاء أو زملاء الدراسة أو شركائهن الحاليين أو السابقين، وقد سعى المعتدون إلى ابتزاز الناجيات لدفع المال أو إكراههن على الدخول في علاقات معهم أو منعهن من الكشف عن الإساءات التي تعرضن لها. فيما يهدد الجناة بنشر أو مشاركة صورعلى فيسبوك، سواء كن يرتدين أو لا يرتدين الحجاب أو النقاب، وتكشف أجزاءً من أجسامهن أو صور أخرى مفبركة تُظهرهن برفقة رجال آخرين لا تربطهن بهم صلة، وفي سياق اليمن تُعد هذه الصور “مخزية” ويتسبب نشرها في مخاطر على سلامة هؤلاء النساء. وأخبر العديد من النساء أنهن كن خائفات لدرجة منعتهن من إخبار أسرهن بشأن الإساءات، كي لا يتعرضن للوصم بالعار واللوم أو لمزيد من الإساءات والاعتداءات البدنية أو النفسية من جانب أقاربهن، ثقافة وصم الناجيات بالعار ولومهن في اليمن عادةً ما تُثني النساء عن اتخاذ إجراء قانوني ضد الجناة، واليمن يفتقر إلى إطار تشريعي شامل وتدابير خاصة بالسياسات للاعتراف بجميع أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي الذي تسهله التكنولوجيا، والتحقيق بشأنها والتصدي لها، ويستغرق الاستجابة للشكاوى وقتًا، ويرجع ذلك جزئيًا إلى عدم فهم الثقافة السائدة، وتحديدًا فيما يتعلق بمسائل حساسة كصور النساء بدون حجاب، ما يترك النساء عرضة للضرر النفسي والاجتماعي والاقتصادي ويحد من إمكانية اللجوء إلى القانون كوسيلة لحماية حقوقهن.
وقد تتعرض النساء للوصم والنبذ وللمزيد من العنف ولإساءات خارج الإنترنت، بسبب نشر صورهن ومعلوماتهن عبر الإنترنت دون موافقتهن. وفي حديث كوكب الذيباني، خبيرة قضايا النوع الاجتماعي مع منظمة العفو الدولية، تناولت الآثار المترتبة التي تمس جميع جوانب الحياة، وقالت: “نعلم أنه إذا تسربت صورة واحدة لإحدى الناجيات، قد تتدمر حياتها بالكامل”. ووصفت ست نساء للعفو الدولية الآثار النفسية التي وقعت عليهن من جراء تعرضهن للعنف، والتي تضمنت الشعور بالخوف والقلق وجنون الارتياب والاكتئاب والعزلة. وارتبطت هذه المشاعر، في أغلب الأحوال، بخوفهن من أن تعلم أسرهن أو أصدقاؤهن بتعرضهن لهذا النوع من العنف وبنشر صورهن عبر الإنترنت. وقالت ثلاث نساء لمنظمة العفو الدولية إنهن بدأن العلاج النفسي كي يتمكَّنَّ من التعامل مع الآثار النفسية الناجمة عن تعرضهن للإساءات عبر الإنترنت. وذكرت امرأتان أنهما كانتا تراودهما أفكار انتحارية، بينما أشارت أخرى إلى محاولتها الانتحار بسبب ما تعرضت له من التكنولوجيا. وقد حاولت عفراء، الناجية من واقعة الابتزاز الإلكتروني، الانتحار بسبب الضغوط الشديدة التي تعرضت لها والتهديدات التي وجهها مبتزوها إليها. وفي ديسمبر/كانون الأول 2022، اتهمت نيابة تعز عفراء بـ”الشروع في قتل النفس”، ولكنها لم تعلم بالتهمة المُوجَّهة إليها إلا في أبريل/نيسان 2023. وقالت عفراء لمنظمة العفو: “كانت واقعة الابتزاز السبب وراء شلل حركة حياتي وعملي من جميع النواحي، الأمر الذي دفعني إلى التفكير في الانتحار”. وأشارت خمس نساء أيضاً إلى آثار ما تعرضن له على حياتهن المهنية، ومن بينهن ثلاث أفدن بفقدان وظائفهن ليصبحن عاطلات عن العمل. وذكرت النساء لمنظمة العفو الدولية أنهن لم يُبلِغن عن المنشورات المسيئة أو الحسابات المزيفة لمنصة فيسبوك نفسها لأنهن لم يَعلمن بكيفية الإبلاغ عن مثل هذه الحالات. وذكرت نساء أنهن إما توقفن عن استخدام فيسبوك أو قللن من استخدامه، بعدما تعرضن للعنف، خوفاً من التعرض للمزيد من الإساءات. ويتسبب هذا النمط من الرقابة الذاتية في أثر مروِّع، ويقيد من قدرة المرأة على ممارسة حقها في حرية التعبير والمشاركة في الحياة العامة، بما في ذلك في العالم الرقمي، ويزيد من تضييق المجال أمام النساء في اليمن لإسماع أصواتهن.
يتضح لنا مما سبق أن العنف الرقمي الذي تتعرض له النساء في اليمن يتعدى الحدود الفردية، فقد بات أداة التحكم في المرأة في المجتمع. فخشية الابتزاز أو التعرض للوصم يجعل النساء يقيّدن حركتهن على الإنترنت ويحدن من مشاركتهن في الحياة وخاصة الحقوقيات وعاملات المجتمع المدني، هذه الطبيعة المشحونة بالتهديدات ولدت شعورًا باليقظة، فتجد النساء أنفسهن مضطرات إلى تعديل سلوكهن وعلاقاتهن الاجتماعية لتجنب المخاطر قدر الإمكان، وهو ما يضعف قدرتهن على التعبير عن آرائهن والمشاركة في النقاشات المجتمعية أو المهنية. والعنف الرقمي يعكس التفاعل بين التقنية والثقافة اليمنية. والقوة لا تأتي من التكنولوجيا بحد ذاتها، إنما من الطريقة التي يستغلها الجناة استنادًا إلى معايير اجتماعية تقيّد النساء وتفرض عليهن العقاب. خلق هذا دائرة من العزلة النفسية والاجتماعية، وحمل النساء قلقاً وخوفاً من الفضيحة، ما يؤدي في بعض الحالات إلى انسحاب كامل من الحياة الرقمية أو حتى التوقف عن العمل أو الدراسة في بعض المجتمعات.
في اليمن بات من الضروري التحرك لمواجهة العنف الرقمي. إذ لا يمكن الاكتفاء بفرض قواعد تقنية أو مراقبة المحتوى على المنصات، بل يجب الضغط على الدولة العاجزة لعمل أي إجراءات قانونية، وبناء مراكز نفسية للضحايا، والأهم هو عمل برامج توعية اجتماعية تستهدف تغيير الإعتقادات السائدة تجاه النساء وحقهن في الخصوصية والأمان. وتعزيز قدرات النساء على حماية بياناتهن وفهم أدوات الأمان توفير شبكة حماية قانونية تردع المعتدين وتوفر الدعم اللازم للناجيات.
لقد بات من الضروري تطوير تشريع يعترف بكل أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي لاسيما في الفضاء الرقمي، مع آليات تنفيذ وتدريب للجهات الرسمية على التعامل مع هذه القضايا دون مماطلة بعيداً عن معتقداتهم الشخصية. وإنشاء وحدات رقابية مستقلة لمتابعة تنفيذ هذه التشريعات وتقيّم فاعليتها باستمرار، مع تعزيز الشفافية والمساءلة في التعامل مع الشكاوى، ومعاقبة المتخاذلين في أقسام الشرطة والذين يحولون بعض القضايا لأخلاقية بدلاً من اجتماعية.
في النهاية، العنف الرقمي هو أثقل تحديات هذه العصر التي واجهت النساء في اليمن، بسبب التفاعل المركب بين هذه التقنية والعوامل الثقافية والاجتماعية والسياسية والدينية. ومعالجة هذه المشكلة تتطلب رؤية شاملة تتجاوز الفردية والتقنية، لتشمل القانون، المجتمع، والثقافة، بما يضمن أن يصبح الفضاء الرقمي وسيلة تمكين وحماية، لا أداة تهديد وانكماش.