تمثّل محافظة حضرموت الشطر الشرقي للجمهورية اليمنية، وهي أكبر المحافظات. وتشتهر حضرموت بثرواتها النفطية والغازية، إذ شكّلت حقولها الكبرى (مثل حقل المسيلة) المصدر الرئيس لاستخراج النفط اليمني قبل الحرب (كان إنتاجها سابقاً يبلغ نحو 100 ألف برميل يومياً نحو 60% من الإنتاج الوطني).
تاريخياً حكمت المنطقة حكومات محلية مستقلة تحت الاستعمار البريطاني ثم جمهورية اليمن الديمقراطية، ثم اندمجت عام 1990 مع الجمهورية العربية اليمنية لتشكيل الجمهورية اليمنية.
في السنوات الأخيرة برز التوتر في الجنوب بوجه عام؛ إذ تأسس عام 2017 المجلس الانتقالي الجنوبي، الممسك بمطالب انفصالية، بدعم إماراتي. وقد انضمّ ممثلو المجلس إلى حكومة الوحدة المنبثقة عن اتفاق الرياض 2019 بوساطة سعودية، لكن الخلافات بقيت قائمة. قبل أسابيع، أعلن الانتقالي سيطرته على حضرموت والمهرة بالكامل، ودعا فعلياً إلى دولة جنوبية.
وقد أثار هذا الأمر قلق الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، والسعودية التي تعتمد على ثبات شرقي اليمن لحماية حدودها الجنوبية وممرات الملاحة الرئيسة.
ولنستهل الحديث بحضرموت قبل جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، تُظهر القراءة الأكاديمية المتأنية لتكوين كيان «اتحاد الجنوب العربي» (1959–1967) أن حضرموت، رغم إدراجها أحيانًا في الخطاب السياسي البريطاني المتأخر ضمن الجنوب العربي، لم تكن جزءًا بنيويًا أو اتحاديًا من هذا الكيان، إنما ظلّت حتى نهاية الوجود البريطاني تُدار بوصفها إقليمًا مستقلًا ضمن ما عُرف رسميًا بـ«محمية عدن الشرقية»، وهو تمييز إداري وسياسي واضح في الوثائق البريطانية، إذ يبيّن المؤرخ بول دريش في كتابه المرجعي A History of Modern Yemen أن الاتحاد اقتصر فعليًا على مستعمرة عدن ومحميات عدن الغربية، بينما بقيت حضرموت خارج مؤسساته الدستورية والتنفيذية ولم تشارك في برلمانه أو حكومته الاتحادية، وهو ما ينقض فكرة الاندماج السياسي الحقيقي. ويؤكد هذا الاتجاه ما ورد في مدخل Federation of South Arabia في موسوعة بريتانيكا، حيث يجري التمييز صراحة بين أراضي الاتحاد وبين الأقاليم المحمية التي ظلت خارجه حتى 1967. كما تدعم سجلات وزارة المستعمرات البريطانية هذا الفصل القانوني، إذ تصنف حضرموت ضمن Eastern Aden Protectorate لا ضمن Federation Territories، وهو ما يظهر بوضوح في ملفات Colonial Office Records (CO 1015, CO 1055) المحفوظة في الأرشيف الوطني البريطاني. ويذهب غافن هامبلي في The Cambridge History of the Arab World إلى أن حضرموت لم تدخل التجربة الاتحادية أصلًا وبقيت كيانًا سلطانيًا محميًا إلى أن أُسقطت السلطنتان القعيطية والكثيرية بالقوة الثورية بعد الانسحاب البريطاني، لا عبر تفكك الاتحاد ذاته. كما تشير دراسات أنثروبولوجية وسياسية عن حضرموت، منها أعمال آر. بي. سيرجنت، إلى أن البنية الاجتماعية والسياسية الحضرمية تطورت بمعزل عن عدن والاتحاد، ما يفسر ضعف الاندماج التاريخي واستمرار الشعور بالخصوصية الإقليمية. وبناءً على ذلك يمكن القول، وفق هذا التيار الأكاديمي، إن حضرموت كانت محمية شرقية أُلحقت اسميًا بالترتيبات الاستعمارية الأخيرة دون أن تكون جزءًا اتحاديًا فعليًا من الجنوب العربي، وهو تمييز تاريخي دقيق يُستحضر اليوم في النقاشات السياسية المعاصرة حول هوية حضرموت وموقعها من مشروع الدولة الجنوبية.
أعلن محافظ حضرموت سالم الخنبشي فجر الجمعة (2 يناير 2026) إطلاق عمليّة عسكرية سُمّيت “استلام المعسكرات“، هدفها إعادة تسلّم المواقع العسكرية والأمنية من قوات الانتقالي سلمياً وبشكل منظم. مع بدء العمليّة وقعت اشتباكات عنيفة في معسكر اللواء 37 في الخشعة (وادي حضرموت)، أكبر قاعدة عسكرية بالمحافظة. بعد ساعات من القتال، أعلن الخنبشي سيطرة قوات درع الوطن (معزّزة بحلف قبائل حضرموت بقيادة عمرو بن حبريش) على المعسكر. دعمت مقاتلات التحالف العربي بقيادة السعودية تقدم الحكومة، حيث قصفت مواقع الانتقالي في وادي حضرموت. وأفاد وزير الإعلام أن الغارات استهدفت «كمائن» للانتقالي نصبت على طريق قوات درع الوطن.
حلول السبت (3 يناير)، أعلنت الحكومة انتهاء عمليّة تأمين المعسكرات بنجاح. ونقل التلفزيون الرسمي تصريحات الخنبشي الذي أكد أنه رصد خروج مجاميع من قوات الانتقالي من المكلا متجهةً نحو عدن، وعرض «حق الخروج الآمن» لمن يرغب بالانسحاب من حضرموت والمهرة عبر أراضي المحافظة جنوباً.
وردًّا على العمليات العسكرية، أعلن رئيس المجلس الإنتقالي عيدروس الزبيدي إطلاق مرحلة انتقالية مدتها عامان تمهّد لاستفتاء حول استقلال الجنوب. كما دعا نائب رئيس المجلس أحمد سعيد بن بريك إلى تعبئة شعبية في حضرموت لمواجهة «الغزو القادم» من القوات الشمالية كما أسماها، في المقابل، ظلت الاتصالات السياسية مستمرة: فقد دعا رئيس المجلس الرئاسي رشاد العليمي السعودية لاستضافة مؤتمر شامل حول القضية الجنوبية بحضور كافة المكوّنات، بما فيها المجلس الانتقالي.
ومما سبق يُعدّ تقييم التحولات الميدانية في شرق اليمن، ولا سيما في حضرموت، مدخلًا أساسيًا لفهم إعادة تشكّل موازين القوى داخل المشهد اليمني الأوسع، إذ لا تقتصر أهمية هذه التحولات على بعدها العسكري المباشر، بل تمتد إلى تداعياتها السياسية والأمنية والاستراتيجية، سواء على مستوى العلاقة بين الفاعلين المحليين، أو في إطار الصراع الأشمل مع جماعة الحوثي، فضلًا عن تأثيرها على حسابات الأطراف الإقليمية الداعمة لكل طرف. أظهرت التطورات الأخيرة في حضرموت قدرة الحكومة اليمنية، بدعم مباشر من المملكة العربية السعودية، على استعادة زمام المبادرة الميدانية في المحافظة، حيث نجحت القوات الحكومية، مدعومة بالقبائل المحلية، في إعادة بسط سيطرتها على كل المواقع العسكرية، ما أسفر عن تراجع نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي داخل المحافظة، مع الإبقاء على هياكل السلطة المحلية في صورتها السابقة لما قبل ديسمبر 2025. ويعكس هذا التحول إعادة جزئية للتوازن العسكري والسياسي لصالح الحكومة في شرق اليمن. غير أن هذا التقدم، قد يفرض كلفة استراتيجية مؤقتة على الحكومة، بما يفتح المجال أمام الحوثيين لاستغلال هذا الانشغال لإعادة ترتيب مواقعها أو تحقيق مكاسب ميدانية لاحقة.
ولا يمكن قراءة هذه التحولات في ميزان القوى شرق اليمن بمعزل عن انعكاساتها الأوسع على البنية السياسية للصراع اليمني ككل، إذ إن ما جرى يكشف عن اختلالات في تركيبة التحالفات الداخلية، وطبيعة العلاقة بين مكوّنات «الشرعية» اليمنية، ومسارات إدارة الخلافات بين المشاريع المتنافسة على شكل الدولة ومستقبلها، وهو ما يفرض الانتقال إلى قراءة المشهد اليمني العام بوصفه الإطار الأوسع الذي تتقاطع فيه هذه التطورات وتتشكل ضمنه تداعياتها السياسية والاستراتيجية.
في هذا السياق الأوسع، عكست التطورات الأخيرة عمق الانقسام البنيوي داخل معسكر «الشرعية» اليمنية، حيث برز تباين واضح بين مكوّنات شمالية وقوى منضوية ضمن المجلس الرئاسي من جهة، وبين فاعل جنوبي يتبنى مشروعًا انفصاليًا تمثله القوات التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي من جهة أخرى. وقد أسهم رفع المجلس الانتقالي لسقف مطالبه باتجاه الاستقلال في إعادة القضية الجنوبية إلى صدارة الأجندة السياسية، في مقابل إصرار الحكومة اليمنية على مقاربة هذه القضية عبر المسارات السياسية والمؤسسية، لا من خلال فرض وقائع ميدانية جديدة. وأدى هذا التباين في الرؤى إلى تعقيد فرص التوصل إلى تسوية سياسية شاملة، بالنظر إلى التعارض الجوهري بين مشروع الدولة الموحدة الذي تتمسك به الحكومة، والطموحات الانفصالية التي يطرحها المجلس الانتقالي. وفي المقابل، مكّنت إعادة بسط الحكومة سيطرتها على حضرموت من إحباط محاولة عملية لإعادة تشكيل الخريطة السياسية بالقوة، وهو ما عزّز مؤقتًا موقع الدولة وحدّ من زخم المشاريع التفكيكية. غير أن اتساع دائرة الخلاف داخل التحالف العربي، ولا سيما بين السعودية والإمارات، يظل عاملًا مُقيدًا لأي تقدم استراتيجي مستدام، إذ قد يؤدي إلى إضعاف الجهد المشترك في مواجهة جماعة الحوثي، وتشتيت الأولويات عن الهدف الاستراتيجي الأوسع المتمثل في إنهاء الحرب واستعادة الاستقرار في اليمن.
تكتسب المنطقة الشرقية من اليمن أهمية استراتيجية مضاعفة بحكم موقعها الجغرافي المشرف على بحر العرب، بوصفه امتدادًا حيويًا للمحيط الهندي ونقطة وصل غير مباشرة بين الخليج العربي وشرق البحر الأحمر، وهو ما يجعلها جزءًا من منظومة الممرات البحرية ذات الحساسية العالية للتجارة الدولية وأمن الطاقة. ويعني أي توتر طويل الأمد في هذه المنطقة تقلل قدرة الحكومة على فرض الرقابة الفاعلة على هذه الممرات، بما يفتح المجال أمام فواعل غير دولية للتأثير في أمن الملاحة. وإلى جانب البعد البحري، تمثل حقول حضرموت النفطية والغازية ركيزة أساسية في منظومة الطاقة اليمنية، وترتبط بها بنية تصدير بحرية تجعل من استقرار المحافظة عاملًا حاسمًا في حماية المنشآت وخطوط الإمداد. وفي هذا السياق، يسهم ترسيخ السيطرة الحكومية في الحد من مخاطر الاستهداف أو التخريب، في حين أن تصاعد نفوذ التشكيلات المسلحة غير النظامية قد يعرّض هذه البنية الحيوية لمخاطر النهب أو التعطيل المتعمد.
فعلى المدى القريب، تبدو احتمالات التهدئة المشروطة مرتفعة عقب بسط الحكومة سيطرتها الميدانية، ولا سيما في ظل مساعٍ خليجية للوساطة يُرجّح أن تتجسد عبر مؤتمر الرياض المرتقب للمكونات الجنوبية. ففي هذا الإطار، قد تنجح الحكومة في تثبيت حضورها الأمني والإداري في حضرموت والمهرة، بينما قد تميل بعض القيادات الجنوبية إلى تبني مقاربة براغماتية تقوم على المناورة السياسية، شريطة الحصول على ضمانات تتعلق بتطوير صيغ الحكم اللامركزي أو فتح ملفات الحقوق السياسية والاقتصادية للجنوب والشرق اليمني ضمن مسار تفاوضي منظم. غير أن هذا المسار يظل مهددًا بمواقف التيار المتشدد داخل المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي قد يتمسك بخيار الاستقلال الكامل، بما ينذر بإمكانية تجدد التوتر عبر احتجاجات شعبية أو تحركات مسلحة محدودة تُبقي حالة عدم الاستقرار قائمة.
وعلى المدى المتوسط، قد تفضي الأزمة الراهنة إلى تحولات ملموسة في بنية السلطة اليمنية، خصوصًا إذا أسفرت مفاوضات الرياض عن تسوية جزئية، كتعزيز صلاحيات السلطات المحلية في المحافظات الجنوبية أو إعادة طرح صيغة إقليم جنوبي ضمن ترتيبات تقاسم سلطة أكثر توازنًا. وفي حال تحقق مثل هذا التوافق، قد تنحسر ذروة الخلاف مؤقتًا، إلا أن هشاشة العقد الوطني ستظل قائمة، مع بقاء احتمالات التفكك البنيوي للدولة اليمنية. وفي سيناريو استمرار الانقسام، قد يُعاد طرح خيار الدولة الجنوبية المستقلة على مستوى بعض الفاعلين المحليين، رغم ما يواجهه من رفض إقليمي ودولي. بالمقابل، ستسعى الحكومة المعترف بها دوليًا إلى ترسيخ سيادة الدولة بالقوة الصلبة، عبر إعادة انتشار قوات درع، وهو ما قد يؤدي إلى إعادة ترسيم مناطق النفوذ الداخلية وإنتاج توازنات جديدة بالقوة.
أما على المستوى الإقليمي، قد يدفع تعمق التصدعات الداخلية إلى إعادة ترتيب التحالفات، حيث يُتوقع أن تعزز السعودية دعمها للحكومة وحلفائها السياسيين، لأن أي تراجع في حدة الانقسامات اليمنية الداخلية، ينعكس على أمن الممرات البحرية الاستراتيجية في البحر الأحمر وخليج عدن، وعلى استقرار خطوط إمداد الطاقة الخليجية، وهو ما يتقاطع مع مصالح القوى الإقليمية والدولية الكبرى.
في المحصلة، ستظل اليمن رهينة تشابكاتها الداخلية المعقدة، وسيبقى استقرارها مرهونًا بقدرة الفاعلين المحليين على إنتاج تسوية سياسية قائمة على الحوار والتوافق، لا على فرض الوقائع بالقوة. ويُرجّح أن يشكل العامان المقبلان مفترقًا حاسمًا، تتراوح مآلاته بين فتح مسار مصالحة تدريجية بين الأطراف، ربما برعاية إقليمية مباشرة، وبين تعميق التشرذم إلى حد بروز كيانات متنافسة على الخريطة اليمنية. وفي كلتا الحالتين، ستتجاوز تداعيات هذا المسار الحدود اليمنية، لتطال أمن دول الجوار، ولا سيما في ما يتعلق بحماية الحدود والممرات المائية الحيوية.
ما يهمنا كثيراً هو الانقسامات المكونية والاصطفافات المحلية، فقد بدت المواقف من الصراع منقسمة إلى فئتين رئيسيتين: الأولوية كانت لـتحالف القبائل المؤيدة للحكومة، حيث أعلن هذا التحالف دعمه الكامل لقرارات مجلس القيادة الرئاسي والحكومة المركزية، وحمّل المجلس الانتقالي ومن يدعمه مسؤولية التصعيد العسكري. وظهرت مقاطع (من مصادر الحكومة) تظهر “قوات حماية حضرموت” القبلية وهي تستعيد مواقع عسكرية للمجلس الانتقالي في المكلا. مما يعني أن كثيراً من القبائل الفاعلة انضمت عمليًا إلى جهود حفظ السلطة المحلية. المجموعة الثانية تمثلت في المجلس الانتقالي وقواته في حضرموت. فقد أخضع الانتقالي الساحل والوادي الجنوبي لأرادته مؤخرًا، لكن قبلياً وإقليمياً بدت أن ولاءات منتميه من حضرموت ضعيفة أو محدودة.
وقد عكست ردود الفعل المحلية حجم القلق من انزلاق حضرموت نحو شرخ اجتماعي، إذ حذّر مراقبون من أن الصراع الأخير قد يقوّض حالة التماسك المجتمعي النادرة التي تميّزت بها المحافظة، ولا سيما أن الغالبية الساحقة من المجتمع الحضرمـي ظلّت، طوال سنوات الحرب، منخرطة في العمل السياسي والاجتماعي بوسائل سلمية بعيدًا عن العنف. وقد تعززت هذه المخاوف مع تحذيرات صدرت عن قيادات محلية بارزة من أن حضرموت تمرّ بإحدى أخطر مراحلها منذ عقود في ظل استمرار التصعيد، والتنبيه إلى مخاطر الانزلاق نحو صراع داخلي مفتوح بلا منتصر. وتجسدت هذه الهواجس عمليًا في تصاعد خطاب التحريض والعنف، حيث عبّر بعض المسؤولين عن أسفهم لتحوّل الشعارات من منطق الصراع الوطني الجامع إلى شعارات إقصائية تُفضي عمليًا إلى اقتتال داخلي بين أبناء المنطقة الواحدة، في وقتٍ صدرت فيه تهديدات صريحة من زعامات قبلية باستخدام القوة لطرد خصومها من الأراضي الحضرمية. ويشير هذا المسار المتوازي من التحشيد الخطابي والميداني إلى تصدع واضح في النسيج الاجتماعي، تفاقمه حوادث القتل المتبادل واتساع رقعة الاشتباكات بين الوادي والساحل. ومع إدراك مختلف الأطراف لمخاطر هذا الانزلاق، فإن استمرار المعالجات العسكرية والأمنية دون إطار سياسي واجتماعي جامع ينذر بتحوّل الأزمة من مواجهة عابرة إلى صراع داخلي مزمن، قد يفتح الباب أمام حرب أهلية محلية يصعب احتواؤها إذا لم تُكبح هذه الدينامية المتصاعدة على نحو عاجل. تمثّل الأثر الفوري للانقسام في حالة انفلات أمني واضطراب محلي، إذ أتاح الانسحاب المفاجئ لبعض التشكيلات المسلحة فراغًا في عدد من المواقع العسكرية والرسمية، ما أدى إلى تعرّضها للنهب والتخريب، وخلق شعورًا عامًا بانعدام الحماية لدى السكان. وقد أسهم هذا الواقع في تهديد سلامة المدنيين وممتلكاتهم، وعلى المدى المتوسط، قد تتجسد هذه التداعيات في انهيار إضافي لمنظومات الصحة والتعليم، وتعطّل وصول المساعدات الإنسانية، واحتمالات نزوح داخلي محدود يتحول إلى أوسع إذا استمر التوتر. وبهذا المعنى، يواجه سكان حضرموت خطر تحوّل ثروات محافظتهم من عنصر استقرار وتنمية إلى مصدر صراع واستنزاف، بما يحمّل المجتمع المحلي كلفة إنسانية واقتصادية تتجاوز بكثير حدود المواجهة العسكرية الراهنة.
إن احتواء الانقسام المجتمعي في حضرموت ودرء مخاطر انزلاقه إلى صراع داخلي مفتوح يقتضي مقاربة متعددة المستويات، في مقدمتها إطلاق حوار محلي شامل يستند إلى مبادرات مصالحة حقيقية، تشارك فيها القيادات الاجتماعية والقبلية بوصفها صمّام الأمان التاريخي للاستقرار الحضرمـي. فقد شددت شخصيات محلية ومرجعيات اجتماعية على أن وحدة الصف الحضرمـي تمثل أولوية قصوى في هذه المرحلة، داعيةً مشايخ القبائل وأعيان المجتمع إلى الاضطلاع بدورهم في تهدئة التوترات وفتح قنوات تواصل تفضي إلى معالجة الخلافات خارج منطق القوة والسلاح. وفي هذا الإطار، يبرز “المجلس الحضرمـي الوطني”، الذي تأسس بوصفه إطارًا تمثيليًا محليًا، ومحاولة لصياغة رؤية بديلة تقوم على حكم ذاتي إداري واقتصادي لحضرموت ضمن إطار الدولة اليمنية، بما يتيح إدارة أكثر عدالة للموارد ويخفف من شعور التهميش الذي يغذي النزاعات. وعلى المستوى الإقليمي، تكتسب دعوات السعودية لعقد مؤتمر حوار في الرياض، يضم مختلف المكونات الجنوبية، أهمية خاصة بوصفها مسعى لإعادة القضايا الخلافية إلى المسار السياسي، في مقابل التحذيرات الخليجية المتكررة من مخاطر التصعيد العسكري وانعكاساته على الاستقرار الإقليمي. ويعوّل مراقبون على أن تخلق هذه الجهود مساحة سياسية بديلة عن الفراغ الأمني، بما يحول دون تفاقم الأضرار التي لحقت بالنسيج الاجتماعي. وفي موازاة ذلك، يمكن لإجراءات إنسانية وبناءة، مثل تأمين انسحابات آمنة وتقليل منسوب الانتقام المتبادل، أن تسهم في خفض التوتر وتهيئة بيئة أقل عدائية للحوار. غير أن المعالجة المستدامة تظل رهينة خطوات طويلة الأمد تعالج جذور التشرذم، وفي مقدمتها ضمان شراكة حقيقية لحضرموت في إدارة مواردها النفطية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة المحلية على أسس مهنية، وتعزيز مسارات التنمية الاقتصادية. وبهذا المعنى، يتقاطع إجماع المحللين على أن احتواء الانقسام لا يمكن أن يتحقق إلا عبر مصالحة محلية قبلية متجذرة في شرعية الدولة، ومدعومة بحوار جنوبي وحضرمي شامل وتعاون إقليمي صادق، يمنع تحويل حضرموت إلى ساحة صراع مفروض من الخارج على حساب استقرار مجتمعها ومستقبل مواطنيها.