الناس يخرجون اليوم وهم يعرفون أنه قد يطول دون سبب واضح. رجل يفتح الباب ببطء، ينظر يمينًا ويسارًا، ثم يمشي. امرأة تتوقف لحظة قبل أن تتحرك، تعدّل ما تحمله، وتختار طريقها. شاب يخرج بلا وجهة دقيقة، يعرف فقط أنه سيبقى قريبًا من الناس، بعيدًا عن أي لفت نظر.
اللوحة للفنان: سعد الشهابي، محرر المحتوى المرئي.
لا تغثوش أحد..
– محمد بن إسماعيل العمراني
الناس يخرجون اليوم وهم يعرفون أنه قد يطول دون سبب واضح. رجل يفتح الباب ببطء، ينظر يمينًا ويسارًا، ثم يمشي. امرأة تتوقف لحظة قبل أن تتحرك، تعدّل ما تحمله، وتختار طريقها. شاب يخرج بلا وجهة دقيقة، يعرف فقط أنه سيبقى قريبًا من الناس، بعيدًا عن أي لفت نظر.
الحركة قليلة لأن الخطر لا يحب الضجيج. الخطوات قصيرة. الوقوف أطول من السير. كل شخص يراقب المسافة بينه وبين غيره. الاقتراب الزائد قد يُفهم إعتداء على الوطن. لذلك تُدار الحركة بحذر جماعي غير معلن.
في هذا الحذر، لربما تشكل نوع جديد من التعايش قائماً على الخوف. أحدهم يغيّر مساره ليتجنب الاحتكاك. آخر يؤجل عبوره دقائق إضافية. لأن السلام صار أولوية عملية. الناس يبحثون عن يوم يمرّ دون أذى.
الكلام أقل من اللازم. السؤال يُختصر. الجواب يُختزل. لا مزاح عابر، ولا فضول. كل كلمة محسوبة، لأن أي زيادة قد تُثقِل الجو. هذا الصمت حماية متبادلة.
شاب يحذف أرقامًا من هاتفه، لأنها كثيرة. امرأة تُخفي ورقة في حقيبتها، ثم تُعيد ترتيبها مرة أخرى، فقط لتتأكد أنها لن تظهر عند فتح مفاجئ.
الخوف يعيد صياغة الحركة. الناس يسيرون بطريق أطول لأنه أقل ظهورًا. والشارع الأقرب يُستبعد لأنه مكشوف.
في الحديث، يتبدّل الأسلوب. لا أسماء كاملة، لا أماكن محددة، لا مواعيد دقيقة. الجمل تُترك ناقصة عمدًا. من يفهم، يفهم. ومن لا يفهم، لا يُسأل. هذا النقص المقصود صار لغة.
الضحك يُبتلع في منتصفه. لأن أي زيادة تُحسب. في هذه المدينة، يتكوّن نوع آخر من التعايش. الناس لا يتقاربون، لكنهم يتواطؤون على البقاء. لا يساعد أحد أحدًا علنًا، لكنهم لا يورّطون بعضهم. كل شخص يحرص على ألا يكون سببًا في سؤال، أو شبهة، أو توقّف لا داعي له. هذا الحرص المتبادل يصنع توازنًا هشًا، لكنه قائم. والسلام هنا مجرد تقليل للخسائر. اختيار كلمات أقل، ألوان أهدأ، طرق أضيق، ذاكرة أخف. حين ينجح هذا الاختيار، يمرّ اليوم دون أثر. ليصبح العيش ممكنًا.
هنا في مدينتي صنعاء، من يتأخر لا يُستعجل. من يسرع يُبطئ تلقائيًا. الإيقاع العام يُفرَض من الداخل، من إحساس مشترك بأن أي احتكاك زائد قد يتحول إلى مشكلة لا أحد مستعد لها. هنا، السلام مهارة بقاء.
في هذا السياق، تُدار العلاقات بأقل قدر ممكن من التفاعل. لا تعارف، لا جدل، لا فضول. كل شخص يكتفي بما يضمن له المرور. هذا الاكتفاء هو اقتصادًا في الطاقة. الجميع مرهق، والجميع يعرف أن الإرهاق لا يحتمل صدامًا جديدًا.
التعايش يتجسد في هذا القرار الجماعي غير المعلن: لن نضيف عبئًا على اليوم. لا أسئلة، لا تعليقات، لا تصحيحات علنية. من يخطئ يُترك ليُكمل طريقه. من يتردد يُمنح وقتًا إضافيًا. هذا التساهل المحدود يصنع توازنًا هشًا لكنه فعّال.
في أيام تتراكم فيه الأسباب للاشتعال، يصبح تقليل الأذى إنجازًا. يصبح السلام هو القدرة على العبور دون أن تترك خلفك مشكلة، ودون أن تجرّ غيرك إلى مواجهة لا يريدها.
في هذا الاقتصاد الصارم، تُعاد صياغة فكرة الكرامة. ليست في الصوت العالي، ولا في الوقفة الصلبة، إنما في القدرة على العبور دون إذلال ودون استفزاز. كل شخص يحمي نفسه بحساب دقيق لحجمه في الفضاء العام.
الآخرون ليسوا أعداء، لكنهم ليسوا شهودًا أيضًا. العلاقة بينهم تُدار على قاعدة المسافة الآمنة. اقتراب يكفي للتسيير، وابتعاد يمنع الاحتكاك. هذا التوازن الدقيق يُبقي اليوم قائمًا، ويُبقي النار في حدّها الأدنى.
السلام يُمارَس على شكل امتناع. امتناع عن الزائد، عن الفضول، عن التحدي. والتعايش لا يحتاج أكثر من هذا الامتناع المتبادل. حين يلتزم الجميع به، تستمر الحركة دون انفجار.
خلال الطريق، تتبدل السرعة أكثر من مرة. إيقاع يتباطأ عند نقاط معروفة، ثم يعود إلى حدّه الأدنى المقبول. هذا التذبذب صار مألوفًا، والناس تعلّموا كيف يتحركون داخل هامش يسمح لهم بالوصول دون لفت النظر.
في هذا السير، تختفي فكرة السبق. لا أحد يحاول أن يكون الأول. المهم هو البقاء داخل التيار، لا خارجه. هذا الإدراك يجعل الحركة أكثر انضباطًا، وأكثر قابلية للاستمرار.
الطريق يطول، لكن التوتر لا يزيد. بالعكس، التمدد يخفف الاحتقان. السير يمنح وقتًا إضافيًا للتفكير دون أن يتحول إلى قلق. كل خطوة تُبعد الشخص عن نقطة سابقة وتقرّبه من مساحة أوسع، حتى لو لم تُسمَّ بعد.
يخفّ الحمل مع كل خطوة. لأن الناس يتخلّون عمّا لا يلزم. الخطوة تُصبح أخف، الكتف يستقيم قليلًا، والنَفَس ينتظم دون جهد ظاهر. الحركة هنا تبحث عن حدّ أدنى يسمح بالاستمرار.
يظهر ميل جماعي إلى الانضباط الذاتي. لا حاجة لتوجيه، ولا حاجة لتصحيح علني. كل شخص يضبط نفسه بما يكفي خوفاً من قوات الأمن.
الاقتراب من منطقة أكثر حياة لا يغيّر السلوك فجأة. بالعكس، يزيد الحرص. الناس يعرفون أن الانتقال من الهدوء إلى النشاط يحمل مخاطره الخاصة. لذلك، تُدار الحركة بعناية أكبر، والجميع يتفق ضمنيًا على ألا تتحول الحيوية إلى فوضى.
تزداد الكثافة دون أن تتحول إلى اندفاع. الأجساد تتجاور أكثر، والإيقاع يتطلب انتباهًا أعلى. من اعتاد المساحة الأوسع يعيد ضبط حركته. لا أحد يفرض طريقه، لكن كل شخص يحمي خطه بدقة محسوبة.
تتقاطع الرغبات. البعض يريد العبور، البعض يريد التوقف، البعض يبحث عن ملاذ قصير من اليوم. رغم هذا التباين، تستمر الحركة. لا صراخ، لا احتجاج، لا محاولات لفرض أولوية.
الانتباه ينتقل من الذات إلى المحيط. كل شخص يقرأ المسار بعينه قبل أن يقرأه بخطوته. هذا الوعي العملي ينبع من إدراك أن أي خطأ صغير قد يتضخم سريعًا. لذلك، تُختار الحركات الآمنة، حتى لو كانت أبطأ.
التعايش في هذه المرحلة لا يحتاج خطابًا ولا شعارات. يكفي أن يمرّ الجميع دون أن يُقصي أحدٌ الآخر. حين يحدث ذلك، يستمر المسار، ويظل الباب مفتوحًا للخطوة التالية داخل الشارع نفسه.
تتغير طريقة المشي. الخطوة لم تعد للعبور فقط، بل للتعايش مع وجود آخرين في المسار نفسه. الأجساد تتحرك بمحاذاة لا بتقاطع. كل واحد يحتفظ بمسافته الخاصة دون أن يعزل نفسه عن التيار العام.
يظهر حرص جديد: ألا يُستولى على الفراغ. من يبطئ يترك مجالًا، ومن يتوقف يفعل ذلك على الحافة. لا أحد يحتكر المسار، ولا أحد يتصرف مثل صاحب المكان. هذا السلوك يُفهم فور الدخول.
التوقف هنا مؤقت بطبيعته. الجسد يعرف أنه ضيف. النظرة لا تطيل التحديق، والحركة تستأنف قبل أن تتحول إلى عبء. حتى الرغبة في الجلوس أو البقاء تُضبط بحدّ لا يضغط على غيره.
تتشكل علاقات لحظية ثم تنحلّ. اقتراب قصير، تباعد هادئ، استمرار بلا أثر. لا تعارف، ولا قطيعة. هذا النمط يسمح للجميع بالبقاء دون شعور بالإقصاء أو السيطرة. المكان يتحمل هذا التبادل لأنه مبني على الاحترام العملي لا العاطفي.
في هذا السياق، يصبح السلام قدرة على المشاركة دون استحواذ. أن تكون حاضرًا دون أن تزاحم، وأن تتراجع دون أن تختفي. هذا التوازن الدقيق هو ما يمنح الشارع طاقته، دون أن يحوله إلى ساحة صدام.
تبلغ الحركة حدّها الأعلى دون أن تنفلت. الأجساد قريبة بما يكفي لتشعر ببعضها، وبعيدة بما يكفي لتتفادى الصدام. الرغبة في التقدم، في التوقف، في الالتفات، كلها حاضرة، لكنها مكبوحة.
الإيقاع هنا يتطلب تركيزًا أعلى. أي تسرّع يُربك السلسلة، وأي تباطؤ زائد يخلق ضغطًا خلفه. لذلك، تُقاس الحركة بحدس دقيق. خطوة للأمام، نصف خطوة جانبًا، ثم استقامة جديدة.
في هذه المرحلة، تختفي الفردانية تقريبًا. لا أحد يتحرك وحده تمامًا، ولا أحد يذوب كليًا في الجماعة. التوازن بين الاثنين هو ما يمنع الفوضى. كل شخص يعرف أن حضوره مؤثر، حتى لو بدا صغيرًا، لذلك يُدار هذا الحضور بحذر.
السلام في هذه الذروة نتيجة لسلسلة طويلة من القرارات الصغيرة التي اتخذها الناس دون تنسيق، لكنها اتجهت في المسار نفسه. ومع كل قرار ناجح، يثبت أن العيش المشترك ممكن، حتى في أكثر النقاط ازدحامًا.
تستقر الحركة عند حدّ يسمح بالبقاء. لا اندفاع بعد الآن، ولا انسحاب. الخطو يتحول إلى تموضع مؤقت، والجسد يجد مكانه دون أن يطالب به. من يصل لا يحتفل، ومن يمر لا يُقاطع. كل شيء يستقر لأن السلطة قررت التوقف عند هذا الحد.
التجاور هنا مكتمل. الاختلافات حاضرة لكنها غير متوترة. الإيقاع لا يحتاج ضبطًا مستمرًا، كأنه تعلّم نفسه بنفسه. من يدخل يلتقط النسق فورًا، ومن يخرج يفعل ذلك دون أن يترك فراغًا مزعجًا. والحركة تُغلق دائرتها بهدوء.
الوجود يصبح أخف. لا حاجة لإثبات، ولا رغبة في فرض أثر. كل شخص يكتفي بما يضمن له لحظة عادية في يوم غير عادي. هذه العادية مكلفة، لأنها نتاج التزام طويل بعدم الإيذاء، بعدم الاستفزاز.
لهذا حين سُئل محمد بن اسماعيل العمراني عن الطريق، لم يفتح أبواب السماء، إنما أغلق باب الأذى. قال ما يكفي ليُعاش، في بلدٍ تكدّست فيه الأسباب للكراهية، صار الامتناع فعلًا، وصار ترك المساحة للآخر نوعًا من النجاة المشتركة.
“لا تغثوش أحد” حدًّا بسيطًا، لكنه كافٍ ليبقى اليوم ممكناً: ألا تثقل الآخر بما لا يحتمل، ألا تحوّل وجودك عبئًا. في المدينة الممزقة، وسط النار المتكارهة والخوف المستتر.
