تحليلات

الاقتصاد أقصر طريق للسلام في اليمن..

10 شباط 2026

يُعدّ اليمن اليوم أحد أكثر البلدان تضررًا من النزاعات المسلحة. فقد عانت البلاد من مشاكل سياسية داخلية. ذلك أن سنوات الحرب أدت إلى تدمير البنية التحتية، وانهيار مؤسسات الدولة، وتفشي الفقر والبطالة والجوع. فالاقتصاد اليمني يُعدّ من أضعف الاقتصادات في المنطقة العربية، نتيجة سنوات طويلة من الصراع وعدم الاستقرار. يعتمد تقليديًا على الزراعة، والصيد البحري، وتحويلات المغتربين، إضافة إلى النفط والغاز كمصدر رئيسي للعملة الأجنبية قبل الحرب. إلا أن النزاع المسلح منذ عام 2015 أدى إلى انهيار معظم القطاعات الإنتاجية، وتوقف الصادرات النفطية في فترات طويلة، وتراجع حاد في قيمة العملة الوطنية.

وفي ظل هذه الأوضاع المأساوية التي يمر بها الشعب اليمني، وحيث يركّز كثير من الفاعلين الدوليين على الحلول السياسية والعسكرية، فإن الحقيقة الأهم التي أثبتتها تجارب الدول الخارجة من النزاعات والصراعات الداخلية هي أن الاقتصاد هو الطريق الأقصر والأكثر استدامة لتحقيق السلام، وأن الاقتصاد هو قاطرة السياسة، وأن الصراع المستقبلي العالمي سيحكمه الاقتصاد.

وبالتالي عندما يفقد الناس مصادر دخلهم، ويتعذر عليهم توفير احتياجاتهم الأساسية، يصبحون أكثر عرضة للانخراط في العنف، أو الارتهان للغير، أو الاستقطاب للجماعات المسلحة. في اليمن، يعيش ملايين الشباب بلا وظائف ولا أمل اقتصادي، ما يجعلهم فريسة سهلة للتجنيد مقابل المال. لذلك فإن خلق فرص عمل، وتحريك عجلة التنمية والإنتاج، يقطع الطريق على اقتصاد الحرب وعلى المستفيدين من الحرب، ويُضعف دوافع استمرار الصراع. وهذا يعني أن السلام لا يقوم فقط على وقف إطلاق النار، بل على استعادة ثقة الناس بالدولة والمؤسسات.

عندما يرى المواطن أن الدولة قادرة على دفع الرواتب، وتوفير الكهرباء والمياه، ودعم الاقتصاد والتجارة، وتوفير الأمن والأمان، فإن شعوره بالانتماء والاستقرار يزداد. الاقتصاد القوي يعني دولة قادرة على توفير متطلبات العيش، والدولة القادرة هي أساس أي سلام دائم. حينها تبدأ الاستثمارات المحلية والخارجية في الدخول إلى اليمن، سواء في الموانئ أو الطاقة أو الزراعة أو الاتصالات، وبالتالي تنشأ مصالح اقتصادية مشتركة بين مختلف الأطراف. هذه المصالح تجعل العودة إلى الحرب مكلفة، لأن الجميع سيخسر. وهكذا يتحول الاقتصاد إلى شبكة أمان تحمي السلام.

اليمن بلد يتمتع بروح ريادة عالية، خاصة في التجارة والصناعات الصغيرة. دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتسهيل التمويل، وتسهيل أو تبسيط الإجراءات، يمكن أن يخلق آلاف الوظائف خلال فترة قصيرة. وراء كل مشروع ناجح أسرة مستقرة، وكل أسرة مستقرة هي لبنة في بناء السلام.

أما أن يظل البلد يعتمد على المساعدات فهي أكبر مشكلة ولن تحل أزمة، فالمساعدات الإنسانية ضرورية، لكنها إذا لم تُربط ببرامج إنتاجية (كالزراعة، والصيد، والحرف، والتعدين، والطاقة الشمسية، و……….إلخ.) فإنها تخلق اعتمادًا دائمًا بدلًا من الاكتفاء الذاتي. الاقتصاد المنتج يحوّل الإنسان من متلقٍ للمساعدة إلى صانع لحياته، وهذا يعزز الكرامة والاستقرار الاجتماعي.

وبالتالي فإن اليمن لا يحتاج فقط إلى اتفاق سياسي، بل إلى مشروع اقتصادي وطني يعيد تشغيل المصانع، ويُنعش الموانئ، ويحيي الزراعة، ويفتح أبواب العمل أمام الشباب. عندما يجد المواطن اليمني وظيفة أو عملًا حتى ولو كان بسيطًا، ولكنه قادر على توفير ولو جزء بسيط من مقومات الحياة بدل البندقية، ودخلًا ثابتًا بدل الإعانة، وأملًا بدل اليأس، يصبح السلام خيارًا طبيعيًا لا مفروضًا. لذلك، فإن الاستثمار في الاقتصاد هو في جوهره استثمار في السلام.

Scroll to Top