علي المقري هو روائي يمني بارز يتمتع بقدرة متميزة في السرد الأدبي، حيث تتداخل في أعماله القضايا الاجتماعية مع أحداث غير متوقعة. تعتمد كتاباته على دمج الحكايات الفردية مع السياق الاجتماعي والثقافي، مما يتيح للقراء فهماً للواقع الذي يعكسه النص الأدبي.
تظهر في أعمال المقري مهارة عالية في السرد، حيث يجمع النص بين عناصر الخيال والواقع لتعكس القضايا الاجتماعية والثقافية المعاصرة. تتسم شخصيات رواياته بالحيوية، وتقدّم تمثيلاً دقيقاً للنفس البشرية، مع طرح تساؤلات حول المعنى الوجودي للحياة والإنسانية.
أسلوب المقري في الكتابة يتميز بالتعقيد والعمق، إذ يستخدم اللغة كأداة لتجسيد العواطف والأفكار، مما يسهم في بناء عوالم أدبية تعكس التحديات والتناقضات الواقعية. كل عمل من أعماله يشكل دراسة نفسية وروحية وجسدية للإنسان، ما يجعل قراءة أعماله تجربة معرفية متكاملة.
إسهامات علي المقري في الأدب العربي تُعدّ مميزة، إذ ينجح في المزج بين الدقة اللغوية والقدرة على توصيل الرسائل الأدبية والاجتماعية بوضوح. يترك هذا الأسلوب أثراً واضحاً في تطور الأدب العربي المعاصر، ويجعل أعماله مرجعاً هاماً للدارسين والباحثين في مجال السرد الأدبي.
من خلال تجاربك الروائية التي اختبرت فيها صيغة التعايش، سواء في “اليهودي الحالي”، أو “بخور عدني”، أو “طعم أسود… رائحة سوداء”. ما الذي يمكن لعلي المقري تقديمه من أفكار يستدل بها لخارطة نحو السلام والتعايش في اليمن ؟
- لا أظن أن الروايات تقدم خارطة سلام أو حلولاً جاهزة لأي مشاكل، لكنها قد تثير التساؤلات وتحفز القارئ على اتخاذ مسار آخر لحياته، غير مسار التعصب وادعاء الحقيقة، أو اعتبار أن ما يقوله هو الصحيح وأن الآخرين على خطأ.
وأظن، في هذا المنحى، أن الأعمال الفنية والأدبية تقدّم تصوّرها للعالم، أو قراءتها لمحنه ومشاكله من زاوية خاصة، قد لا يراها الآخرون الذين ينشغلون عادة بالصراعات وتشويه كل ما يصدر عن الآخر.
بالنسبة لإيجاد خارطة سلام للتعايش في اليمن، فإنني أظن أن ذلك لن يكون دون الإقرار بالمساواة بين جميع المواطنين، فلا يمكن أن يكون هناك تعايش مع وجود تمايز فئوي قائم على أفضلية عائلة ما، أو طائفة أو مذهب. وهذا لا يتحقق إلاّ بوجود قوانين تجرّم التمايز العنصري المقيت، القائم على فكرة السلالة العائلية المقدسة، والذي كان اليمنيون قد تجاوزوه مع ثورة 26 سبتمبر 1962 بإعلانهم أن “لا سيّد إلاّ الشعب”. فلا يمكن أن يتحقق السلام مع وجود أشخاص يرون أنفسهم فوق الدولة أو الشعب، أو مع وجود سلطة مركزية مهيمنة على كل مقدرات البلد.
لذا، فإن أي خارطة سلام، من المهم أن تركز على فكرة دولة المساواة والديمقراطية،
التتي تتيح للجميع التعبير عن أنفسهم وممارسة حرياتهم الشخصية. كما أن من المهم إيجاد عدالة انتقالية تعيد الاعتبار لكل أولئك الذين عانوا من الممارسات العنصرية والدكتاتورية القمعية. فكلمة التسامح قد تصبح كلمة فضفاضة ولا معنى لها إذا لم تتحول إلى نص وممارسة قانونيين يكشفان الفظائع التي ارتكبت بحق الناس ويحدان من تكرارها مستقبلا.
التجارب الشخصية والأدبية – من خلال تجاربك الشخصية والأدبية، ما هي الرسائل الأكثر فعالية التي يمكن أن يقدمها الأدب لتعزيز التفاهم والتسامح بين الثقافات المختلفة؟
- أهم ما يقدّمه الأدب هو أن يُكتب بحرّية وبدون توجيه أيديولوجي أو سياسي. فالتفاهم والتسامح قيمتان أساسيتان في جوهر الأدب، لكن الأدب يفقد هاتين الميزتين حين تصبحان موجهتين من قبل مؤسسة أيديولوجية أو سياسية، إذ يصبح الأدب عبارة عن شعار دعائي آني يثير الانتباه المؤقت ليس إلاّ. كثير من الروايات والأعمال الفنية أثرت على مسارات اجتماعية وسياسية هامة في التاريخ، لكنها قامت بذلك من خلال الحافز الخاص لضمير الكاتب أو الفنان ولا شيء غير ذلك.
الشخصيات والتعايش – كيف تختار أو تبتكر الشخصيات التي تعبر عن مفهوم التعايش في رواياتك؟
- كما قلت لك، أن الكتابة الأدبية لا تخضع إلى محددات مسبقة، سواء كانت حقوقية أو غيرها. فهذه المفاهيم تحوِّل الرواية إلى ناقل أو شارح لأفكار مكرّسة قد تتعارض مع المنحى الأدبي الذي يفترض أن يكون هو الهاجس الوحيد للكاتب. ومن هذا المنطلق، أظن أن شخصيات رواياتي امتحنت إشكاليات التعايش ولم تقم بممارسة خطاب دعائي عبر الدعوة إليه.
تناولت التاريخ اليمني في أغلب رواياتك، كيف يمكن أن تساهم قراءة التاريخ في تحسين الواقع السياسي المعاش؟
- لم أكتب روايات تاريخية، وإن عدت إلى بعض الأزمنة، فإن ذلك كان بمقتضيات أدبية لها علاقة بسياق الإشكالية المختبرة في النص.
وأظن أن قراءة التاريخ بحد ذاتها تلهم الكثيرين لتجاوز بعض الإشكاليات الآنية. ومن ذلك قصص الصراعات والحروب والتسلط، وهي قصص عادة ما يعاد تدويرها للأسف.
مستقبل الأدب في نشر السلام – كيف ترى مستقبل الأدب في تعزيز قيم السلام والتعايش في المجتمع؟ وهل هناك اتجاهات جديدة في الأدب تعزز هذه القيم؟
بالتأكيد، هناك الكثير من الأعمال الأدبية المهمة التي ساعدت الناس على التساؤل عن علاقتهم مع الآخرين، أو مع الذين يختلفون معهم في العقيدة أو اللون أو الجنس. وأظن أن هذه الإشكاليات مازالت قابلة للتناول من زوايا مختلفة، إضافة إلى الإشكالية الرئيسية التي يعنى بها الأدب كثيرا، وهي إشكالية الحرّية، والتي تتفرّع منها كل الإشكاليات.
