لقاء مع المحامية اليمنية معين العبيدي
في رحاب مدينة تعز، حيث تختلط الأرواح برائحة البارود وتراتيل الأمل، تتجلى شخصية معين العبيدي كنجم لامع في سماء حالكة. هي روح متقدة، عملت في الدفاع عن حقوق المستضعفين وبناء جسور السلام في زمن الحروب.
بدأت معين مشوارها المهني منذ أكثر من عشرين عامًا، حين كانت النساء في مجتمعها يبحثن عن صوت يدافع عن حقوقهن في أروقة المحاكم وبين جدران المنازل. بتصميم لا يعرف الانكسار، واجهت تحديات مجتمع محافظ بقلوب محملة بعبء القضايا الجسام. وبروح لا تخشى المواجهة، حاربت من أجل العدالة والإنصاف.
منذ بدأ ظلام الحرب، أدركت معين أن معركتها الحقيقية في الشوارع والساحات، بين الناس الذين تلتهمهم نيران النزاع. اختارت أن تكون جسرًا يربط بين الأطراف المتنازعة، حاملة مشعل السلام وسط لهيب الصراع.
في تعز، التي عانت من وطأة الحرب، عملت بلا كلل، تحيط بالنساء اللواتي فقدن الأمل وتدعمهن في مواجهة الحياة القاسية.
ساهمت في تقديم المساعدات القانونية والاجتماعية، وبنت جسورًا من الثقة بين المجتمع بمختلف أطيافه، ساعية لتخفيف معاناتهم وفتح آفاق جديدة نحو السلام.
تميزت معين بعلاقاتها الطيبة مع جميع الأطراف المتنازعة، مما مكنها من التوسط لفتح الطرقات وتبادل المعتقلين، وتوفير الخدمات الأساسية التي انقطعت نتيجة الحرب. رغم الصعوبات والتحديات، وخاصة كونها امرأة في مجتمع يهيمن عليه الرجال،
لم تنكسر عزيمتها. بل استمرت في نضالها، مؤمنة بأن العدالة والسلام لا ينفصلان، وأن كلاهما يمثلان ركنًا أساسيًا لبناء مجتمع متماسك وقوي.
تجسد معين العبيدي مثالًا حيًا للشجاعة والتفاني، وهي اليوم تعتبر رمزًا للنضال من أجل حقوق الإنسان وبناء السلام في اليمن. حكايتها ليست مجرد قصة نجاح؛ بل هي ملحمة نسجتها الإرادة والإيمان بقوة الكلمة والحق في زمن الحروب والنزاعات.
في العاصمة الأردنية، عمّان التقينا معين و سُعدنا بإجاباتها عن أسئلتنا بكل سرور.
من هي معين العبيدي؟
معين، محامية، وناشطة حقوقية ومجتمعية، وُلدت في تعز، حيث نشأت بين جبالها ووديانها، بدأت مشواري منذ أكثر من عشرين عامًا في الدفاع عن النساء والتطوع لحل قضاياهن. منذ بداية الحرب، عملتُ في قضايا بناء السلام والحد من المشاكل التي كانت نتاج الحروب. كان واجبًا علينا كأبناء للمجتمع اليمني أن نقف وندعم المدنيين المتضررين، لا سيما النساء.
ما هي الدوافع التي جعلتك تختارين السلام والسعي لنشره بدلاً من مهنة المحاماة؟
لم أختَر السلام بديلاً عن المحاماة،فالمحاماة هي المهنة الأساسية وأحبها وأعتز كثيرًا بأنني حقوقية ومن أوائل الحقوقيات في اليمن. لقد اخترنا هذا وعملنا كنساء في بيئة صعبة، وسعينا كثيراً لإنهاء الحرب ونشر السلام ليس بديلاً للمحاماة، بل وجدت فيه تكميلًا لرسالتي كمحامية. السلام هو الوجه الآخر للعدالة، والعدالة هي جذر السلام. أدركت أن السعي لتحقيق السلام هو طريق أطول وأصعب، ولكنه يحمل في طياته آمال الأجيال القادمة. لأن الحرب زائلة مهما طالت فيجب أن نكون دقيقين قليلاً ولنسميه النضال لأجل السلام وليس عمل. فالسلام مطلب إنساني، وليست مهنة يمكن أن نعمل بها. لذلك السلام قبل أن يكون على الأرض هو شعور داخلي أيضاً، فالله هو السلام ونحن من روح هذا السلام، فالسلام والسكينة قبل الحرب والدمار. أنا أعيش في مدينة تعز، وهي أكثر ما تضرر جراء الحرب: الأرض والإنسان، الشجر والطير، كل شيء تضرر هنا. تضررنا كثيرًا، تشردنا أكثر، ونزحنا خائفين، وكان لزامًا عليّ أن أبقى في تعز لأكون عونًا للنساء اللاتي ليس لهن مأوى.حاولنا تهدئة الأوضاع و تقريب وجهات النظر، لأننا شاهدنا المتضررين أمامنا منذ إشعال فتيلتها، وكنا على علاقة وفاق مع كل الأطراف قبل أن تنشب الحرب، كان هذا إيجابي بالنسبة لي وساعدني كثيرًا.
كيف تعاملت مع المجتمع كناشطة حقوقية لها ثقلها في تعز خاصة؟
بقيتُ في تعز منذ تخرجت من جامعتها، أوفيت مع هذه المدينة التي لطالما أحببتها، عملت في مجال حقوق الإنسان، وقفت مع نسائها، فقراء، مهمشات وسجينات. كل هذا حمّلني ثقلاً كبير أمام المجتمع لاسيما أنني كنت أدافع عن السجينات اللاتي ينظر لهنَّ بنضره قاصرة. تقبلني المجتمع مُؤخرًا كناشطة ناهضت الحرب، وكنت وسيطة لتخفيف معاناته كفتح الطرقات وتبادل المعتقلين. والعمل على توفير أدنى الخدمات العامة التي انقطعت نهائيًا جراء الحرب، وتحيدها عن الصراع. فالمجتمع يؤمن عندما يرى أنك تعمل لأجله، يتقبلك بكل سرور ويصبح المساعد الأساسي لك.
كيف تتعاملين مع التحديات التي تواجهك كمحامية وناشطة في ظل الحرب؟
دعنا نفصل بين كوني محامية وناشطة، فمنذ بداية الحرب وحتى منتصفها توقفت المحاكم. هناك تحديات كبيرة واجهتنا كمحامين لا سيما نحن النساء. كانت أولى التحديات عدم تقبل المجتمع لامرأة تعمل لأجل السلام وإنهاء الحرب، وبفضل معرفتي لعدد كبير من الشخصيات من جميع الأطراف، كان هذا العامل الوحيد الذي جعلهم يثقون بي أو يتقبلون فكرة أن تعمل امرأة لأجل السلام. هناك مواقف كثيرة حصلت لي خاصة عندما كان يتطلب عملي أن أقابل قادة متشددين دينياً لاسيما بعد أن يرون أن معين العبيدي امرأة وليست رجلًا، لكل شخص رأي ووجهة نظر ولم أكن أتضايق من ذلك نهائياً لأنني مؤمنة بما أعمل من أجله.
ما هي النصائح التي تقدمينها للنساء اللواتي يسعين إلى السلام في بلادهن؟
نصيحتي للنساء والرجال على حد سواء، لكل من يريد أن يكون فاعلًا لأجل السلام أن يؤمن بما يقوم به، وليكن صادقًا أيضًا، ليس لأن يُقال عنه – كالذي يبني بيتًا من ورق في زمن الريح والنار – كن مؤمنًا بما تقوم، حذار أن تخشى ما سُيقال عنك وكن داعية سلام فيما تستطيع حيث أنت، وطنك فإن لم تستطع فبمدينتك أو قريتك فإن لم تستطع فببيتك وهذا أضعف الإيمان.
كيف يمكن للمجتمعات المحلية أن تساهم في بناء السلام؟
المجتمعات المحلية هي أساس البناء. بالوعي والتعليم والتعاون يمكن تحقيق السلام. المشاركة في الحوار المجتمعي، والعمل على تعزيز الثقة بين الأفراد، ودعم المبادرات الإنسانية هي خطوات أساسية نحو السلام. يجب على المجتمعات بقدر الإمكان تجنب الانزلاق في الحرب، هذا الأمر بسيط لكنه سيخفف بشكل كبير من آثارها، وتوجيه الأبناء للمراكز التعليمية والوقوف معهم لأن الصغار إن لم يكونوا بذرة السلام فهم وقود الحرب، والالتفات نحو تنمية نفسه بنفسه بما في يده من إمكانيات كما يحصل الآن في بعض القرى اليمنية، مساهمات مجتمعية كبيرة لإصلاح الطرقات، والوقوف مع المتضررين بقدر الإمكان.
ما هي الأمور التي تعتقدين أنها تحتاج إلى تغيير لتحقيق السلام الدائم في اليمن؟
ما نحتاجه هو نشر ثقافة السلام،استقرار البلد شأننا نحن، ولن يكون هناك استقرار ما لم نؤمن نحن ونعمل لذلك، وحري بنا أن نسير نحو ذلك.
ما الذي أثر بشكل كبير في حياتك وجعلك تصبحين ناشطة حقوقية تسعى لنشر السلام؟
تراكمات كثيرة، أمور تجمعت فوق بعضها، بعد تخرجي من الثانوية العامة، اتخذت القرار لدراسة الحقوق، وقد أنارت تلك الدراسة بصيرتي بنور جديد، جعلتني أرى العالم من نافذة الضحايا والمظلومين. أن تعرف حقوقك وترى أنك محروم منها تمامًا هو إحساس بالغ المرارة. انخرطتُ في التطوع إلى جانب النساء، ورأيت بأم عيني الكثيرات منهن في السجون، بريئات، ولكن ذنبهن الوحيد هو الفقر والتهميش، ولا يستطعن توفير المال الكافي لتوكيل محامٍ يدافع عنهن أمام المحاكم. نساءٌ بريئات سُجنت لسنوات ثلاث أو أكثر وملفاتهن مركونة في أدراج النيابات، رغم أن قضاياهنَّ يجب أن تُفصل في شهر أو شهرين على الأكثر. رؤية تلك النساء وتحملهن تلك المعاناة أعطاني دفعة قوية للاستمرار في نضالي، وجعلني أدرك أهمية العمل من أجل العدالة والحقوق، مهما كانت الظروف والأوضاع صعبة.
كيف يمكن للشباب أن يكونوا جزءاً من حركة السلام؟
على الشباب أولًا، كما أسلفت سابقًا، أن يتجنبوا الانغماس في أتون الحرب. إنهم جيل ولد ونشأ وسط نيران الصراع، ومن الضروري أن لا يصبحوا جزءًا من هذه المأساة، بل أن يتطلعوا إلى العلم والمعرفة. الشباب هم طاقة نابضة، قادرة على تغيير مصير الأمة. إذا لم ينهض الشباب، فمن الصعب أن يعم السلام أرجاء هذا الوطن. من سيحمل راية الأمل ويقف في وجه الظلم؟ أملي معقود على هؤلاء الفتية والفتيات، فهم العِماد الذي يُشيّد به المستقبل.
و مهما طال شتاء هذا الوطن فلابد أن يأتي الربيع، و نحن نشد على رباط الأماني، أن يأتي على عجل.
