تضمن العدد الرابع من مجلة “أوام” الثقافية مادة معرفية توزعت على أبواب تحليلية وأدبية وفلسفية متنوعة، استهلتها الافتتاحية التي صاغها رئيس التحرير بشار العقاب تحت عنوان “لا تغثوش أحد“، وهي مقولة مستلهمة من المفتي محمد بن إسماعيل العمراني؛ حيث تناول العقاب من خلالها سيكولوجية التعايش الحذر في مدينة صنعاء، معتبراً أن السلام في سياق الحرب يتحول إلى مهارة بقاء عملية تقوم على “الامتناع” وتقليل الاحتكاك وتجنب لفت النظر لضمان استمرار الحياة اليومية بأقل قدر من الأذى.
وفي باب مقالات الرأي، قدم مدير التحرير عبده تاج قراءة تاريخية سياسية بعنوان “اجرِ أمر الله يا وشاح“، استعرض فيها سيرة أحمد بن يحيى حميد الدين وكيفية توظيف الخطاب الديني في الخلافات السياسية وتصفية الخصوم، مشيراً إلى أن الدين حضر كمرجع أساسي استثمره أحمد حميد الدين لتعزيز أحقية حكمه.
كما طرح الدكتور عبدالله العقاب رؤية مفادها أن الاقتصاد يمثل أقصر طريق للسلام في اليمن، مؤكداً أن انهيار المؤسسات وتفشي البطالة جعلا من الشباب فريسة سهلة للتجنيد، وبالتالي فإن تحريك عجلة الإنتاج ودعم المشاريع الصغيرة هو الكفيل بقطع الطريق على “اقتصاد الحرب”. وفي سياق متصل، بحثت الدكتورة الزهراء العريقي في آفاق السلام المجتمعي، داعية إلى ابتكار “عدالة هجينة” تدمج الأعراف اليمنية القبلية مع مبادئ حقوق الإنسان، لما لهذه الأعراف من فاعلية أثبتتها الوقائع في حل نزاعات معقدة وفتح الطرقات وتبادل الأسرى خلال سنوات الصراع.
وقدم صابر الجرادي مقال حول دور الحكايات اليمنية القديمة كأرشيف شفهي للسلم الاجتماعي، حيث تعلم هذه القصص الأجيال كيفية الاختلاف دون فناء، وتفضل التسويات الممكنة على الصمت الذي تفرضه النهايات الحاسمة. وفي الجانب الفلسفي، ناقش خالد اليماني “التناقض كبعد أساسي” لدى المفكرين، معتبراً أن تغير الآراء هو دليل على النضج وتراكم المعرفة وليس عيباً. كما استعرض عبد الفتاح إسماعيل الخضر فلسفة “الإنسان المتفوق” عند زرادشت كما نقلها نيتشه، موضحاً مفاهيم العقل والفضيلة في هذا السياق الفلسفي المعقد.
وفي مجال النقد الأدبي، قدم الأستاذ الدكتور أحمد السري قراءة نقدية مفصلة لرواية “صلاة القلق” الفائزة بجائزة البوكر، محللاً استخدام الفانتازيا والرمزية، مثل “تمثال عبد الناصر” و”رؤوس السلاحف”، لمساءلة الواقع السياسي وتفكيك البنية الشمولية للأنظمة.
كما لم يغفل العدد الجانب السياسي الراهن من خلال تحليل لمركز “جدل للسلام” حول الأوضاع في حضرموت، متناولاً أبعاد الصراع وموازين القوى في شرق اليمن وتأثيرها على أمن الممرات البحرية والمنشآت النفطية.
واختتم العدد فقراته بنصوص إبداعية وسردية عكست القلق الإنساني والذاتي، منها “الوصية العاشرة” لذكريات عقلان التي تناولت هواجس طفلة في بيئة أسرية مضطربة، ونص “رسمية” لشمس جبلة الذي نقل مأساة إنسانية مرتبطة بالتهميش الجسدي والاجتماعي، و”شباك مهجور” لليلى حسين علي، التي فاضت بمشاعر الحزن والاغتراب. وقد تزينت كافة هذه الصفحات والفقرات بلوحات فنية معبرة بريشة الفنان سعد الشهابي، محرر المحتوى المرئي، لتكتمل بذلك الهوية البصرية والمعرفية لهذا الإصدار.
يقدم العدد الرابع من مجلة “أوام” جملة من الاستنتاجات التي تتجاوز القراءة السطحية للأزمة اليمنية، حيث أن السلام في السياق اليمني الراهن لا يُبنى بالضرورة عبر الاتفاقات السياسية الكبرى فقط، بل يرتكز أساساً على قرار جماعي واعٍ بالامتناع عن الأذى وترك المساحة للآخر، وهو ما يُعرف بمهارة البقاء اليومي التي تجسدها مقولة “لا تغثوش أحد”؛ إذ إن تقليل الاحتكاك وتجنب الاستفزاز يمثلان الأداة الأكثر فعالية للحفاظ على النسيج المجتمعي في ظل غياب الدولة. وتؤكد المجلة أن الاستقرار الاقتصادي هو القاطرة الحقيقية للسياسة، وأن استعادة المؤسسات ودعم المشاريع الصغيرة والإنتاجية يمثل أقصر طريق لتفكيك “اقتصاد الحرب” الذي يتغذى على فقر الشباب وتجنيدهم، مما يجعل من التنمية الاقتصادية ضرورة أمنية واستراتيجية.
كما تستنتج المجلة أن الموروث الثقافي والقبلي اليمني، المتمثل في الحكايات الشعبية والأعراف المحلية، يمثل أرشيفاً شفهياً غنياً للسلم الاجتماعي وقدرة فطرية على إدارة النزاعات بعيداً عن منطق الإبادة؛ حيث تفضل هذه المنظومة “التسويات الناقصة” التي تسمح للحياة بالاستمرار على “النهايات الحاسمة” التي تفرض الصمت. ولتحقيق استدامة هذا السلام، تبرز الحاجة الملحة إلى توطين آليات المصالحة عبر “عدالة هجينة“تدمج القيم العرفية النبيلة بمبادئ حقوق الإنسان، مع التركيز على التعليم كأداة سيادية لتحصين الهوية الوطنية الجامعة ضد خطابات الكراهية والأدلجة التي تهدد الأجيال القادمة.
وفي الختام، تشير الرؤى المستخلصة إلى أن نجاح أي مشروع للسلام يظل رهيناً بمدى تمكين النساء والشباب كفاعلين أساسيين من القاعدة إلى القمة، نظراً لدورهم “الخفي” والمركزي في فض النزاعات المحلية وبناء التماسك المجتمعي. إن التحول من منطق “الصراع الصفري” إلى منطق “المشاركة والمساهمة” هو ما سيمنح اليمن طاقته نحو الاستقرار، ويحول دون تفكك الدولة إلى كيانات متصارعة، مؤكدة بذلك أن السلام هو نتيجة لسلسلة من القرارات الصغيرة اليومية التي تتجه في مسار البقاء المشترك.
ملاحظة: أعداد أوام الثقافية تتوفر باللغة العربية فقط.
اللوحة للفنان: سعد الشهابي، محرر المحتوى المرئي.
